يقف الناس عادة من سيرة وكتابات سيد قطب رحمه الله موقفا من ثلاثة، منهم المحب بل والمجل للرجل وكل ما كتب دون استعداد لمناقشة وربما رفض بعض أفكاره، ومنهم النافر منه والمقتنع بأن الرجل متطرف في سيرته وفكره، وليس ثمة ما يدعو لقراءته أو الاختلاف معه للسبب السابق ذكره، ومنهم من يرى في الرجل مفكرا مهما، وصاحب رأي معتبر يمكن لك أن تقول فيه ما شئت إلا القول بأنه غير جدير بالاطلاع على كتاباته، أو تناولها بالتحليل والنقد أيا يكن مقدار رفضك أو قبولك لما تطرحه، وأعتقد أني أميل الى أن أكون واحدا من الصنف الأخير.
في كتابه هذا يبدأ سيد قطب بعرض لفكرة الحياة الآخرة وعالم ما بعد الموت على نحو مقارن بدءا بالفراعنة، مرورا بالإغريق والرومان محيلا إلى نصوص من الإلياذة والأوديسة لهوميروس وإنيادة فرجيل، ثم ما ورد في هذا الصدد في الكتب المقدسة كالتوراة والإنجيل، وبعد ذلك في ديانات/مذاهب وضعية كالبوذية وبعض الديانات الهندوسية كما بيٌن، كان هذا العرض موجزا، ومفيدا، وممتعا بالنسبة لي.
ثم شرع في استعراض آيات ومشاهد الجنة/النعيم، والنار/العذاب في سور القرآن الكريم مفسرا لبعض معاني الآيات ودلالاتها، ومبينا الأوجه الفنية والجمالية المرتبطة بأسلوب العرض، وعوامل تناسق الصور المعروضة من حيث التكوين والاتفاق، والمزاوجة و المقابلة بين حالات المحتوى المعروض محيلا القارئ هذه المرة -وفي كثير الأحيان- إلى كتابه التصوير الفني في القرآن، وقد قرأته منذ سنوات وأظن أن علي العودة إليه قريبا.
تجربة قراءة الكتاب كانت مفيدة ومعلمة لي، وربما أهم ما فيها أنني لن أعود لقراءة الآيات التي ذُكرت في سياق العرض وهي كثيرة، ومتناثرة في غالب السور القرآنية بنفس المنظور أو قلة الوعي والفهم التي كنت أقرؤها بها حتى الآن، وربما يكون شأني في ذلك شأن من يقرأ القرآن في معظم الأوقات وخصوصا خلال رمضان دون الاستعانة بغيره من كتب التفسير أو الدراسات القرآنية، ثم يقرؤه بعد ذلك مستعينا بكتب أصحاب التفاسير، أو أصحاب النظر والرأي وعندي أن سيد قطب واحد منهم لا شك وتفسير الظلال الخاص بالرجل شاهد عدل على ذلك.
رأيي في الأخير أن كتابات سيد قطب تستحق الاطلاع عليها بذهن منفتح، وإخضاع أفكارها للنقاش دون أحكام مسبقة أيا يكن مقداراتفاقك أو اختلافك مع الرجل ومع بعض أفكاره أو مجملها، وربما حتى مع ما ذهبت أنا إليه في هذه السطور القليلة، ورمضان كريم على كل حال.