ولد الهدى فالكائنات ضياء *** وفم الزمان تبسم وثناء
على بعد ثلاثة أيام من الآن , يقبل علينا يوم ; فيه ذكرى عظيمة , ذكرى ميلاد خير خلق الله .
من 14 قرن , أضاءت قصور الشام من نور بعيد , من نور من أرض الجنوب ; أرض قيدار وتيما , تلك أرض اليبس والتكفف , أرض القسوة والخشونة , تمر بها الريح خاوية النداوة والنضارة . ما وطئها جند فارس أو جند الروم , وكيف يدخلوها ؟ والريح العاصفة تخسف بأطراف الأرض .
من هذي الأرض , ما وجد أمل بأن يشع نور الحضارة , أفتضيء الأرض من القحول الهالكة ؟ ولكن , جاء ذاك اليوم حين ولد ذاك الطفل .
يتيم الأب ومرهف القلب , فكان اسمه محمد وبدأت حياة صبي آخر في أرض الجفاء .
زانتك في الخلق العظيم شمائل *** يغرى بهن ويولع الكرماء
فشب الولد , وأصبح ضعفه قوى , وبدأت حياته : راع على قراريط أهل مكة وتاجر في أراض الجوار والتجارة , يعيش على قوت يومه , تمر به ضوضاء الحياة وجلبتها , وتمر به السنون والأيام , يفر منفردا متأملا مبتعدا عن أحاديث الناس وخرافاتها الى امان الوحدة وتأملات النفس وتدبراتها .
وفي أحد الليالي سالمة الوصال , لطيفة الجو . ترن في آذانه كلمات اقرأ ! فتبدأ العيشة الجديدة التي ستغير وجه الجزيرة بل العالم بأسره . ولطالما أدهشني هذا الامر , أنى لراع غنم ورجل ما قرأ شيئا أو كتب أن ياتي بهذا الأمر فيمطر تعاليم دينه كغثاء السيل على أمم المعمورة , ولكن تلك حكمة الله وذلك أمر الله , الذي اذا قضى أمرا فهو كائن , وذلك رسول الله , ذلك من كتب فيه النبوءات , ووجد اسمه تقريبا في كتاب كل دين ومذهب , فان لم تصدقوا ففتشوا الكتب ! ففيها ضالتكم وهنالك تجدوها ! فبدأ الأمر وانتشرت الرسالة . فالقوم كذبوا وعذبوا , وتركوا الوئام وسلوا الحسام ! فاستقام المنسم عند البعض واهتدوا صراطا مستقيما , وذهَب القَومُ شَذَرَ مَذَر والحق واضح كوضوح شمس منجلية أو أشد وضوحا .
واستمرت القصة , والقلام لا تكتب بل الصدور تحفظ , الصدور تحفظ وتتعلم وتبني أجيالا نورت بفكرها ظلمة الزمن .
انتهت المعارك وعادت ربوع الصحراء الى ارجاء بساتين والصحراء ليست بصحراء الارض بل صحراء النفوس وجفاوتها فأصبحت كالبساتين خصبة في جوفها , كوثر في عطائها .
وبعد السنين الطوال حان الأجل , وشاء القدر وقبض الحبيب عليه صلوات ربي وسلامه عليه ! وأصحابه بين باكٍ ومنكر.
صل الله عليك يا علم الهدى , يا ايها السراج المنير , أبلغت فأوفيت , تكلمت فصدقت ! يا ما وصف بأوصاف الخير وأكثر الناس المدح له واما هو فاستكان وودع وقال :"لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم" , أما الطف ما قيل فيه فهو قول زوجته وحبيبته عائشة رضي الله عنها : كان قرآنا يمشي على الارض , وأجمِل به من تشبيه ّ!.
وأما معجزته فهي شيء آخر , هي ليست كمعجزة اخوته الانبياء . هو لم يحيي الموتى ولم يشق البحر باذن ربه , بل جاء بمعجزة أخرى أمكن وأقوى من ما سبقها من معجزات !
ان احياء الموتى وشق البحر سيكونان مصدر الهام للذين رأوا المعجزة , وهذا لا ينقض من عظمتهما -حاشا لله- ولكن القرآن معجزة تحطم قيود المكان والزمان , الى يومنا هذا ما زال القرآن يبهر قارئيه ويؤثر بهم .
هذا رسول الله , والكلام عنه أقل من أن يختصر في بضع سطور . الا ان المرء يكتب ما يطيق , ويبقى في جوف الانسان المؤمن به كلاما كثيرا وحبا بليغا حتى لو لم يستطع الحديث بكثرة .
أما الغزالي , فرحمه الله , ما زلت أذكر الشريط المسجل له وهو يذرف الدمع شوقا لرسول الله وأنا اقلب صفحات الكتاب , كلامه المؤثر نابع من جوف قلبه ; فلا بد أن يقع في قلبك ان كنت قارئا لهذا الكتاب . حسنا , ان كنت اريد أن اميز بين هذا الكتاب والرحيق المختوم فسترجح كفتي لهذا الكتاب فهو على الرغم من كثرة الاحاديث الضعيفة الا انه ذو فائدة عظيمة واعظم من الرحيق المختوم , لماذا ؟
لان هذا الكتاب هو عمل للايه الكريمة : "لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا " فتجد حديثين عن حدث معين وبعدها سطور عديدة من المواعظ البناءة والفوائد الكبيرة . أما الرحيق المختوم ففيه أحاديث كثيرة لأحداث كثيرة وقليل من الموعظة في حواشي الكتاب . فان كان الامر لي , فأنصح القارئ المسلم بهذا الكتاب ومن أراد التوغل بالامر فليجنح الى الرحيق المختوم .
اضافات الالباني رحمه الله كانت مفيدة جدا , وهناك نظر في كثرة ايراد الغزالي للاحاديث الضعيفة ويعود ذلك الى عقيدة الغزالي بالاحاديث الذي سأقرا عنها قريبا باذن الله .
واخيرا , اللهم صل على سيدنا محمد وعلى اله وصحبه وسلم .
والحمد لله رب العالمين .
تم