رواية تبحث في المدى الذي تتحمل فيه النفس البشرية المصاعب، حين تُكتَشف حقيقتها في المواقف الحرجة، وتحس بحاجتها إلى معونة الله عز وجل. تدور أحداثها في مصعد يتعطل فجأة، يضم خمسة رجال: مديراً وثلاث موظفين وفراشا، كانوا في اجتماع لإقرار تعيين موظفين جدد، وقد تواطؤوا مع المدير في الاختيار إلا واحدا وقع محرجاً ومضطراً (الحاج إسماعيل).
ومع مرور الوقت وتغير الهواء واليأس من حضور أحد في الليل ينتبه إليهم، بدأت كل شخصية تكشف عن ذاتها القريبة، في التعامل فيما بينهم في المصعد، حيث الإحساس بالخطر والإنعتاق من المواضعات الاجتماعية والوظيفية! فالفراش يرد على كلمات المدير النابية بضربه بالمحفظة وهو يحس بكرامته للمرة الأولى، والموظفان (صبحي وعبد الفتاح) يتندران عليه. كما تكشف عن أغوارها البعيدة من خلال استعراض سلسلة الأيام السابقة على طريقة التداعي. وتقوم الرواية بإبراز أربع قصص داخلية ببراعة مع تبادل في المواقع الزمانية، فعلى الرغم من محدودية الزمان والمكان (مصعد وزمن لم يبلغ يوماً) فقد استطاع الكاتب أن ينقل القارئ إلى أمكنة كثيرة وأزمنة عديدة.
فهذا عبد الفتاح تنقله أفكاره من مرحلة إلى أخرى، يذكر خروجه من فلسطين صغيراً وما عاناه حتى وصل إلى بغداد، وحلمه بالعودة إلى الوطن وحنينه إلى الماضي العظيم لأمته، بلغة شاعرية تثير الحزن في النفس، وتصوير زاخر للواقع يبرزه الوصف بدقة وانسيابية وأسى أن يموت محشوراً في المصعد وقد فاته أن يستشهد على أرض فلسطين. وهذا صبحي ترجعه الذكرى إلى طفولته، ويعرض لنا الكاتب من خلالها صورة للأب الذي يدمن الخمر، ولا يجد أهل بيته منه اهتماما أو رعاية، فينشأ الأبناء في بيت مضطرب، وقد ظهر أثر ذلك في شخصية صبحي المتمردة، فانحصر اهتمامه في السعي لقبول ابنة عمه به، على الرغم من كرهها له ولأمه، فعاش وليس هناك قضية تشغله أو أمر ذو بال يستأثر باهتمامه.
وهذا الحاج إسماعيل الذي وقع على محضر اللجنة مضطراً، وأحس بخطأ ما فعل، وكان يقيم الصلاة خلال مدة المحاصرة في المصعد ولا يني عن تذكير زملائه بوجوب التوبة، ينقله إلى خارج المكان أغنية شعبية يدندن بها الفراش (كل الشرايع زلك "زلق") إلى مقارنة بين شريعة الله وأثرها في النفوس، وبين شرائع البشر، فيذكر دراسته للحقوق، وأصدقاءه الذين عادوا من الغرب ضائعين ممزقين وآخرين متمسكين بأصالتهم ونقائهم؛ ويتطور هذا التداعي إلى عملية استرجاع لما في النفس والذاكرة من ثقافة وأشخاص ومواقف، وتذكر رحلته إلى الحجاز مع رفقة طَيبة، وقد رق أسلوب الرواية إلى حد من الشفافية تتلاقى مع شفافية النفس في الأماكن المقدسة.
وأما المدير (خالد) الذي كان أكثرهم تضايقاً فقد ذكرته أدعية الحاج إسماعيل ما كان يسمعه من أمه، فانتقل إلى يتمه وفقره وعمله في المقهى، ثم انتقاله إلى الوظيفة، ثم علو مكانته مع استعراض لصور من الفساد والرشوة، ووقوفه طويلا عند زوجته التي خدع بها وبكذب أهلها، وحبه لأمه وخوفه عليها من بعده، لو كان مكتوباً عليه أن يموت؛ وأحس بشيء من الندم لأنه كان بعيداً عن ربه ولأنه كان قاسياً ومتعالياً على مرؤوسيه! وحين انتهى الحاج إسماعيل من صلاته، دعاهم إلى وجوب إعادة النظر في قرار التعيينات، فوافق الثلاثة وأخرج المدير الملف من المحفظة، ورتب أسماء الفائزين بحسب درجاتهم. وكان الفراش يعبث بالأزرار و حين وقعوا المحضر الجديد شعروا بالمصعد يتحرك إلى الطابق الأول وينفتح الباب، ليكونوا في الشارع مع أذان المغرب، فتوجهوا إلى المسجد وتقدم المدير ليقول: سأصلي معكم.
فكرة هذه الرواية قامت على التداعي واسترجاع الماضي، في لوحة كبيرة متعددة يتعدد فيها الزمان المكان والشخصيات الرئيسة، مع تداخل في الزمن من خلال أربع قصص داخلية تدل على براعة المؤلف الذي أفاد من الأسلوب النبوي (كما في حديث الثلاثة الذين أطبق عليهم فم الغار). وقد برزت اللغة الشاعرية الرفيقة بما يناسب مع النفس الإنسانية حين تتخلى عن زيوفها الاجتماعية والحياتية.
#القرار رواية تدور أحداثها في مصعد معطل، احتجز فيه خمسة أشخاص، مدير وثلاثة موظفين وفراش، عندما قرأت النبذة تبادر إلى ذهني انطباع متخوف، فالحبس في مكان ضيق يعني أحداثًا في نطاق ضيق ومحدود للغاية، حيث لا متعة في بقعة صغيرة لا انتقال فيها في زمان ولا مكان، وتبادر إلى ذهني أنها ستكون حربًا للبقاء للأقوى، ولكن ما إن انتصفت فيها -أو حتى قبل النصف- إلا وتبين لي النقيض تمامًا، فالكاتب -رحمه الله- كان يبدع بقلمه الأخاذ، وينتقل بانسيابية فائقة، يرسم أحداثًا شتى خارج إطار ذلك المبنى، بل وحتى حول العالم، فبعدما بدأ الخوف يتسلل على الحبيسين، سافر كل واحد منهم عبر ذاكرته، مضى لماضيه وأيامه، وفي قصة كل واحد منهم ترى العجب والعجاب، ولا يفتأ الكاتب أن يمرر رسائله السامية وقيمه في كل سطر وحرف، فيبهرنا بذلك المزيج أيما إبهار! فعلى سبيل المثال، أولهم كان فلسطينيًا اغتصبت أرضه وغُرّب عنها وغُيب، فأبعد عنها آلاف الكيلومترات، إلا أنه ما زال يحمل في قلبه الثأر والانتقام، بل ما هو أسمى من ذلك، فقلبه انفطر لمّا أبعد عنها أن لا شهادة ولا قدس. وبعدما عرفنا الكاتب على حياتهم، ورأينا ماضيهم ومأساتهم، ونقطة التحول في حياة كل واحد منهم، كانت تعود الأحداث في المصعد تارة بعد أخرى، وكان أملهم الوحيد عودة الحارس "تايه"، ولطالما أوهموا أنه يقترب من المصعد، فيتناوب المدير والفراش بالصراخ، فيصرخان بشكل جنوني يصم الآذان، ويطرقان باب المصعد الموصد بكل ما أوتيا من قوة، ولكن لا مجيب، وكان الحاج إسماعيل موقنًا أن أملهم الحقيقي هو الله، فلم يفوت فرضًا، ولم يسه عن الذكر لحظة، فكان موقنًا أن المجيب هو المجيب سبحانه، فكانت النهاية تجبر القارئ على الخضوع!
أقل ما يقال عن هذه التحفة، أنها رواية عميقة أشد العمق، نعم هي ليست محشوة بالأحداث التي يتصبب المرء منها عرقًا، ولكن فيها من القيم والمبادئ ما لن تجده في روايات أخرى، هي لداود العبيدي وهذا يكفي ..
أسلوب شيق.. وقد أثار شجوني أبيات الشاعر وليد الأعظمي:
إنـا على موعد يا قدس فانتظري ... يـأتـيك عند طلوع الفجر جــــرّار جـيـشٌ تـدرّع بالإيـــمان يدفــــــعه ... لـنـصـــــرة الحق تأكيد وإصرار آلـى عـلى نفســـه ألا يـبل صدى ... حـتـى تعود إلى أصحابها الدار لا عذر للعرب عند الله إن سكتوا .وبات في القدس من صهيون ديّار
رواية تدور احداثها في مصعد توقف فجأة واحتجز داخله مديراً وثلاث موظفين وفراش، وكانو في اجتماع لتعيين موظفين جدد، وماذا كان قرارهم حين وقعت عليهم المصيبه.. اعجبني اسلوب الكاتب وجذنبي ايضاً عند تنقله بين القصص، اسلوبة شيق وجميل وانصح بقراءته ..