وقمت أسير فى العالم الآخر الذى أعيش فيه مع أمى.. وخرجت إلى الشرفة.. وفوجئت.. مفاجأة كادت تخلع قلبى.. لقد رأيت رجلاً يسير فى شارع.. ومركباً تطفو على صفحة النيل.. وعربة محملة بالخضار ووروداً جميلة فى الحديقة المجاورة.. وطلبة وطالبات.. وبائع الجرائد يصيح.. صباح الخير! إننا لسنا فى العالم الآخر.. إن الحياة لم تتوقف.. وعدت من الشرفة، لأبحث عن أمى وأبشرها بأن الحياة لم تتوقف.. إن بابها مغلق.. اغلقوه بالمفتاح حتى لا أصل إليها.. ووقفت طويلاً أمام الباب.. ثم أقنعت نفسى.. أقنعت نفسى بأنها ماتت.. أمى.. ماتت.. وعدت أطوف بحجرات البيت.. وفى الحجرة التى تعودت أن تجلس فيها لتقرأ وجدت نظارتها موضوعة فوق العددين الأخيرين من روز اليوسف وصباح الخير.. وأخذت النظارة.. ووضعتها فى جيبى.. إنها لا تزال فى جيبى إلى الآن.. لعلى أرى بها ما كانت تراه..
سيرة ذاتية رائعة لمناضلة استطاعت أن تحفر أسمها في عالم الصحافة عن طريق مجلة روز اليوسف التي يؤسفني ما وصلت إليه من تدهور حالياً قرأت مسبقاً مجموعة مقالات لأحسان عبدالقدوس يستعرض من خلالها اجزاء من حياته وانطباعاته عن والدته فاطمة اليوسف، تلك المرأة الحديدية التي استطاعت أن تنجح في كل مجال عملت فيه سواء في مجال الفن أو الصحافة، وهو ما زاد من حماستي لقراءة العمل الحالي، بشكل عام ركزت فاطمة اليوسف على ذكرياتها مع عالم الصحافة والصعوبات التي واجهتها في سبيل المحافظة على المكانة التي وصلت إليها مجلتها، وعلى ذكرياتها مع عدد من الشخصيات البارزة التي قابلتها خلال مسيرتها الحافلة
هو بالفعل ذكريات للسيدة روز اليوسف اكثر منها مذكرات .. كنت اتمنى ان يكون فيها تفاصيل اكثر عن حياتها الشخصية ولكنها اهتمت اكثر بذكر مواقف لها مع الاخرين الكتاب لطيف جدا وتأريخ لفترة هامة.. ولكن المشكلة ان به الكثير من الاخطاء المطبعية
قد يشعر القارئ العادى وأقصد بالعادى أى غير الصحفى أنه أمام مجرد سيرة ذاتية لامرأة تشتعل نشاطا وحيوية وقد لا تصدق أنك أمام إمرأة تحيا فى عشرينات القرن العشرين ووصلت إلى ما وصلت إليه بالرغم من التحفظات الشديدة حول المرأة ومكانتها فى المجتمع فى تلك الأيام والتى لا يزال الكثير منها متوارث حتى يومنا هذا ولكن إذا كنت تنتمى لعالم الصحافة ستتمنى لو كنت عاصرت تلك العقلية الصحفية العبقرية تتمنى لو كنت تتلمذت بين عظماء الصحافة مصطفى وعلى أمين وكامل الشناوى وغيرهم على أيدى روزاليوسف داخل أروقة مجلتها الأسبوعية سيدة صحف عصرها ومؤكدا ستشعر بمرارة كبيرة على ما وصلت إليه الصحافة اليوم
من أجمل السير الذاتية التى تسرد فيها الكاتبة تاريخ المسرح والفن وعدد كبير من كبار مؤسسين السينما والمسرح في مصر خلال حقبة مهمة من تاريخنا العربي المقدمة للكاتب الكبير إحسان عبدالقدوس ابنها والذي بدورها كان الاهداء له فكتب مقدمة لأول مرة اقراء مقدمة لكتاب أكثر من مرة تبين لك حجم الكفاح وقوة هذه المرأة في مواجهة حياة مليئة بالمفاجات والنكسات والعقبات التي استطاعت ان تجاوزها وتضع اسمها عاليا فب عالم الأدب والصحافة.
وانتهت جلستى مع (روز اليوسف). . .كانت جلسة ممتعة جدا وطويلة ورغم أننى حزينة جدا على انتهاء الجلسة وفراق هذه السيدة العظيمة إلا أن عزائي الوحيد في ذلك هو ما استفدته منها خلال تلك الجلسة الرائعة فقد استفدت الكثير والكثير وتعرفت أكثر على تاريخ مصر في هذه الحقبة من زاوية أخرى غير الساسية كما اكتشفت أيضا أننى أحيانا يكون لدى نفس عنادها وإصرارها على تحقيق المستحيل إن صح القول بذلك وظهر ذلك واضحا عندما أصررت على الإنتهاء من الكتاب في اليوم الذي أنهيته فيه وظللت أقرأ مده تزيد على الساعتين متواصلتين حتى أتممته فعلا وشعرت بسعادة كبيرة تغمرنى لانتهائي منه وتحقيقى لشئ لم أتوقع أن يحدث ولكنى ينتابنى بعض القلق بشأن الكتابين الباقيين اللذين على أن أنهيهما في هذا الأسبوع. . .ولكن فلأعود لذلك الكتاب الذي أنهيته والذي أعتبره كنز كبير من نواحى متعددة فمن ناحية عرفت أشياء كثيرة عن الزعماء والقادة والسياسيين في مصر في ذلك الوقت لم أكن أعرفها قبل ومن مصدر موثوق، ومن ناحية أن سيدة مثل روز اليوسف تكتب مذاكراتها وتنشرها راوية فيها قصة كفاحها ونضالها في سبيل إنشاء مجلة لتصحيح وضع الفن في مصر ف ذلك الوقت أولا ثم للدفاع والمناداة بحرية مصر واستقلالها بعد ذلك ونضالها من أجل بقاء المجلة تماما كما تناضل الأم من أجل حياة طفلها ذلك في حد ذاته هو أكبر الكنوز ومن ناحية الصور القديمة جدا المرفقة داخل صفحات الكتاب والتى يظهر فيها أشخاص لم أعرف صورتهم إلا المرسومة في الكتاب المدرسي فهو كنز أكبر ولأن هذه الصور أيضا كان لها دور كبير جدا في انتقالي إلى ذلك الزمن وأن أعيش كل تفاصيله المذكورة في الكتاب مع السيدة (روز اليوسف) حتى لقد حزنت جدا في النهاية وأنا أقرأ آخر ما كتبته بعد أن أوكلت أمر جريدتها إلى ابنها إحسان ووصاياها له التى لمست فيها قلب الأم الكبير يتحدث إلى ولده الذي يخشى عليه من الحياة ويعطيه المداد الذي يستطيع أن يكمل به مسيرة الحياة الصعبة الشاقة أقول: لقد حزنت جدا حزن الشخص عندما يحين موعد نهاية لقائه بمن يحب.
لم اكن اتوقع ان تكون مذكرات روز اليوسف بذلك الجمال . فى الثلث الأول تروى لنا عن عالم المسرح و الفن كما عاصرتها فى بداية القرن العشرين . ستروى لنا جانبا من سير عزيز عيد و يوسف و هبى و نجيب الريحانى و سيد درويش و غيرهم كما عرفتهم و تعاملت معهم ستروى نشأتهم و كيف دخلوا فى عالم المسرح و حتى تأسيس فرقهم . ثم تنتقل بنا الى عالم الصحافة و السياسة لتروى لنا الأجواء التى عاصرتها منذ عام 1925 و حتى الأربعينيات من القرن الماضى من زاوية مختلفة تماما عن كل ما يمكن ان نكون قد قرأناه لأحد من المعاصرين لتلك الفترة . لم اجد مذكرات بتلك الدسامة و القوة و الكثافة على بساطة اسلوبها . أعتقد ان كل من يهتم بعالم الفن او بالتاريخ يجب عليه ان يطالع تلك المذكرات
ذكريات ملهمة لواحدة من السيدات العصاميات التي نجحت بمجهودها وتضحياتها وإصرارها أن تترك أثرا وبصمة في تاريخ الصحافة المصرية لازالت باقية حتى اليوم. استمتعت بقراءة هذه الذكريات وخاصة نصفها الأول الذي تضمن ذكريات فاطمة اليوسف مع عالم الفن والمسرح لأنها ذكرت الكثير من أسرار وخفايا عن مشاهير المسرح المصري مثل يوسف وهبي ونجيب الريحاني وسيد درويش وغيرهم.
في هذه السيرة الماتعة نتعرف على شخصية مثيرة للاهتمام، أو عل الأصح نتعرف على عدة شخصيات لامرأة شغلت الناس في كل أطوار حياتها، فاطمة اليوسف والتي أشتهرت بروز اليوسف؛ وكان هذا اسمها الحركي عندما كانت ممثلة مع فرقة رمسيس تحت إشراف عزيز عيد.
الفصل الأول في الكتاب يحكي سيرتها الفنية كممثلة في المسرح، وما تتحمله الجراءة أن تكون فتاة عربية بالتمثيل في ذلك الوقت، وأعتاد المصريون آن ذاك أن الفتيات الذين يقومون بالتمثيل ينحدرون من أُصول يونانية أو أرمينية، والمحبط أن في عز بزوغ الكتاب المصريون في ذلك الزمن كانت أغلب المسرحيات التي تُمَثل من الأدب الإنجليزي والروسي أو الأدب اليوناني القديم.
وفي الفصل الثاني تبدأ حكاية مجلة روز اليوسف وحراكها السياسي والأدبي، وكان التركيز في هذه الذكريات على المصاعب والانجازات المترتبة على الشق السياسي من المجلة، فكانت المجلة وفدية الهوى والهوية إلى أن توفى الله سعد زغلول، وأتى صراع روز اليوسف مع العقاد على سياسات مصطفى النحاس والنقراشي، وأدى ذلك لطرد أكبر كاتب للوفد (العقاد) والمجلة التي يكتب بها (روز اليوسف) من الوفد، من ما أدى إلى خسائر على المجلة وتوقفها لعدة مرات وخروج أفضل الكتاب منها، وسُجنت هي في نهاية الأمر ومع ذلك صمدت المجلة.
وفي خلاصة تجربتها السياسية تقول لنا فاطمة اليوسف:
(إن العمل السياسى لذيذ، ونبيل.. لذيذ لأنه حافل بالتقلبات والتطورات بل والدراسات.. فأنت فيه تدرس الأشخاص والأشياء والموضوعات.. تدرس الأفراد والمجموعات.. تدرسهم نفسيًا وفكريًا واجتماعيًا. لتستطيع أن تسوسهم وأن تتأثر بهم وأن تؤثر فيهم).
كتاب ممل لم تكتبه روز اليوسف بنفسها، الجزء الأول عن المسرح و مهنتها التى كانت غير مقبولة فى تلك الفترة، أما الجزء الثانى عن تأسيسها لروز اليوسف المجلة ، زيجاتها و ابنائها.