"كيف؟ أيضعها تحت الماء بيديه العاريتين؟ حتى تختنق في النهاية؟ وسوف تتملص بكل ما في جسمها من رغبة عنيفة لجوج في الحياة، بكل ما في عضلاتها وأطرافها من تشبت بالنفس، أيخنقها بيديه تحت الماء، يضغط على رقبتها الصغيرة بأصابعه في قوة وتصميم، وسائر جسمها يتلوى منه تحت الماء، يحاول التفلت من قبضته حتى تنهد أخيراً وتستكين، مهيضة، لا نبض فيها، جاحظة إليه، بعينيها المذعورتين، المعاتبتين، في إنكار. لن تواتيه الجرأة أبداً، لن يجد في قلبه هذا العزم. وكان قد اقترب من حافة الماء، ووقف يرقبها وفي عينيه نظرة ليست منه، واستند إلى سيف قارب يحجبه عن المدينة، ويكتم عنه أصواتها، فكأنه في وحدة من البحر، والقارب يرتفع شاهقاً خلفه، يحدّ الكون كله من ورائه، كأنه سور أخير ينتهي إليه كل شيء".
أدركت جملة أدباء من جيل الليبرالية اللي كانت بتتقال عن نجيب محفوظ، وبشوف التجلي ليها في إدوار خراط (الجيل اللي بعد نجيب محفوظ وقبل جيل الستينات) بعد إتمام قراءتي لمجموعته القصصية "حيطان عالية".
إدوار خراط كانت أحد مصادر ثقافته هي مجلة "أبوللو" و"الثقافة"، فلك أن تتخيل، وده طبعًا جنب أدباء وكتاب زي طه حسين وسلامة موسى. وأنا ليه ذكرت سلامة موسى بالأخص؟ لأن سلامة موسى في كتاباته، وكذلك إدوار خراط بينوا في كتابتهم إن مشكلة الدين في مصر هي مشكلة دارجة في كل العقائد والمعتقدات، حتى الإلحاد وربنا. وشجاعة كبيرة إن طه حسين يحاول يواجهها بالتفكير، وشجاعة كبيرة من إدوار خراط وسلامة موسى إنهم ينقدوا دين أتربوا عليه. وده بان في قصص زي: ـ الشيخ عيسى ـ أبونا توما ـ في داخل السور وكذلك أثر فترة الحرة الثقافية نوعًا ما في تاريخنا بيبان لما يقول: «أظن أنه لو لم توضع هذه البذور في الأربعينات لما أتخذ أدب الستينات الشكل اللي أتخذه بالفعل، هذا إذا لم أذهب بعيدًا إلى حد القول إن أدب الستينات مدين بأخصب ما فيه لفترة الأربعينات». والفترة دي من حياة مصر، بتبان لما يتكلم عن إسكندرية في قصة "الأوركسترا" وهي كانت مدينة عالمية وقتها من موقعه وموقع البطل كمصري عادي «وتطايرت حوله ضحكات وعبارات فرنسية ويونانية وإيطالية وأحس نفسه في هذا الجو السكندري الأليف الذي لم يستطع أن يأنس إليه، ولم يستطع أيضًا أن يفلت منه»
"حيطان عالية" نفسها مش بس اسم القصة الأولى من المجموعة، هي بتوجد كطريقة وصف للشعور في عدة قصص زي ما هتلاحظ، وزي ما لاحظ أستاذ غالي شكري: «كلها إذن حيطان عالية حول النفس والجسد، أي أنها منذ البدء ليست مشهدًا خارجيًا، وإنما هي حيطان عالية بالنسبة إلى». المجموعة بدأتها في آخر شهر 1، ووقتها لأسباب تتطهق زي ضربة الشمس شخصية مش لازم أقولها، وقفت قراءتها. ولما رجعي مشيت في عالم المجموعات القصصية، رجعت ليها وأنهيت القصص القليلة اللي كانت باقية لي. وأنا حقيقي مبهورة، ملمستش الأسلوب المميز اللي يتسمى باسمه مدرسة من زمان، وقادرة فعلًا أفهم الفرق الشاسع في الأسلوب بينه وبين نجيب محفوظ اللي قرأت عنه (الفرق يعني) قبل ما أقرأ لإدوار خراط نفسه. **
أكتر حاجة لمستها طريقته في الوصف، والحكي المختلف، والأفكار الجريئة. أكتر حاجة عجبتني كونه في قصة "حكاية صغيرة في الليل" يتنقل بين تلات شخصيات، بين ست ورجلين (كتب القصة وعنده 17 سنة). بدأ في جزء منها يتكلم عن الست وهي شاردة وبتتنقل بين البلكونة والمطبخ وأوضة النوم وهي ندمانة لأنها خاينة، وبعدها ينقل لأنه يتكلم عن جزء من نفس المشهد من وجهة نظر الراجل وهو شايف في حزنها وندمها رومانسية وهي قاعدة ومدياله ضهرها وسرحانة، وبنفس وصف وجهات النظر الرجالة في أغلب الروايات لما ييجوا يتكلموا عن شعر وشكل وقاعدة واحدة ست. مبتتوصفش بالفجاجة دايمًا، لكن بتوصف بكونها منزوعة الروح، مش بتتكلم عننا، بتتكلم عن فئة مننا مش موجودة متهيألي نظرة ذكورية تقليدية... فحتى ندمها هيبقى مصدر غزل لواحد ناوي يسيبها بعد كده. وبعدين القصة من غير أحداث واضحة، لكن التفاصيل البسيطة بتتحول لأحداث بطريقة قصه الهادية والحرة، وكونه موزعها على كل القصة. وده أتكلم عنه أستاذ غالي شكري: «إلا أن الكاتب في سنه المبكرة كان واعيًا بقيمة السرد الحكائي والدور الذي تلعبه الحدوتة في إقامة العلاقات بين الأساسات الأولية والقيم والمعايير أسفل البناء، وبين النظام الدلالي الذي تتحلى في أعلاه مجموعة البنى التي نسجها في السياق الكامن بين جذور المعنى وفروع الدلالة». ودي هي عظمة إدوار فعلًا، هو منظر جيد لتيار "الحساسية الجديدة" المواجهة لمدرسة نجيب محفوظ، ومواجهة كتيارين مختلفين ولكن مش معاديتين لبعض، لأن إدوار خراط اعترف بفضل نجيب محفوظ وأخد جايزته أصلًا صباح الفل. وزي ما بيوصف، هو بيوصف المشهد من الشعور واليأس الداخلي والنفس الداخلية. «ودت -تاقت بعنف- لو ترتمي على الأرض… لو تقذف نفسها على الأرض الصلبة. لكي تبكي تذيب هذا الألم الناهض الذي يولد الآن من جديد، لكي تصهر هذا الرصاص الثقيل الذي يملؤها، لكي تتقيأ… تتقيأ كل هذه المرارة التي لا تُطاق». **
أما عن سكندريته فهي واضحة وجميلة، وأنا مشوفتش روح جميلة لإسكندرية في قصة أو عمل أدبي زي روح إدوار خراط. روح أنا حسيتها، ولكني عمري ما قرأت عنها بجد. عبقري أوي في الحتة دي وقصة "الأوركسترا" أنا شوفت نفسي فيها، وشوفت صعلكتي الفارغة في وسط البلد لوحدي -بالأخص في الشتا- ودخولي محلات وشوارع عشوائية والهاند فري في ودني بتسمعني العدم. (قبل ما يلموا الشوارع بدري علشان إحنا في حرب👍) «ورأى فجأة أنه قد وصل إلى محطته. تقاطع شارعي فؤاد والنبي دانيال، فأسرع إلى الباب بعد أن صفر الكمسري، يصطدم بركب الناس وأكتافهم، وأندفع يقفز نازلًا بعد أن بدأ الترام سيره وتلقفته الأرض تجري قليلًا تحت قدميه مندفعة إلى الوراء» وريفه برضو مميز **
وصفه للنساء وعالمهم رائع وأظن من زمان مشوفتش أديب راجل يتكلم عن النساء كأبطال لقصصه وهو بيتكلم من وجهة نظرها، مش بيتكلم عنها. وحتى لما بيتكلم عنها، بيتكلم عنها كلها، سواء بيتكلم عنها كويس أو وحش، أصلها في الآخر إنسان. عندك مثلًا في قصة "في داخل السور"، بتحس البطلة طول جوازها إنها بترقب واحدة وجسد واحدة متعرفهاش وإنها في طرف محايد من حياتها ملهاش تحكم فيه، لدرجة بعد وفاة جوزها لم تشعر إلا بإشفاق وهي بتراقبه من بعيد زي ما كانت بترقب نفسها في حياته -من بعيد برضو- فلما يموت كأن جسدها إرتد ليها، ونزلت الصعيد تنتزع حياتها كصاحبة قيراطين بلبسها -الغير محتشم- من وجهة نظرهم كصعيدية قبطية من جيل أقدم (لأنهم سمحوا لبناتهم من الجيل الأجدد يلبسوا الغير محتشم عادي، يعني ميداروش وشهم) في وصف إدوار لحظة مشيها في البلد بعد وفاة جوزها، وصف طالع من إحساس ست حقيقي عاشت سنين قمع كانت هي فيه على هامش حياتها «....جسمها كله الذي يعرف نفسه ولا يخاف من نفسه، ذلك هو الخطر الذي كان يتهدد هؤلاء الناس فيغمضون أعينهم، ذلك هو الخطر الذي يحيق بها أيضًا، ويرود أطراف حياتها». ويمشي في القصة وأحداثها، مع بطلتها اللي حتى طفولتها بتستكملها لما رجعت مع أنوثتها، وتنتهي نهاية غريبة حقيقية للأسف «وأسقط الرجال ما بقي في أيديهم منها، على الأرض — خرجوا ينشقون نسمة هواء ويشربون سيجارة، تحت السماء المُغلقة المُحايدة». **
وأخيرًا، إدوار خراط مش هتبقى دي آخر قراءة ليه طبعًا، ومش مبالغة أبدًا نقول إنه غير شكل القصة فعلًا. وهو إنسان ذكي أوي، ولغته العربية بليغة وثقافته الغربية مأثرتش على ده، وإن كنت بعدي ساعات حاجات وبحس بملل وفزلكة، وساعات بعمل مجهود علشان أخلص قصص. وأحسن قصص في المجموعة كلها: ـ حيطان عالية ـ الشيخ عيسى ـ في ظهر يوم حار عمل نبيل ـ إمام البحر ـ الأوركسترا ـ في داخل السور ـ حكاية صغيرة في الليل
"كانت هناك صداقة بسيطة تربط بينهما، ألفة وتفاهم مستتب لا تعبر عنه الكلمات، كعناق أخوي، لأن كليهما يشعر، دون أن يدرك تماما، بالغربة عينها في بيئة معادية، كلاهما ضائع." جميلة بشكل نادر، فهو ينسج القصة القصيرة لتجعل من أحداثها احتمالية عالم عظيم سيقوم أو ربما كان قائما في حياتك منذ زمن، ثم تنتهي لتجعل القصة التي تليها تسابقها في الفكرة وقربها منك شخصيا، بوصف مرهف ورقيق يجعلك لا تملك بدا لهزيمتك أمامها، فيجتاحك حزن أشخاصها ووحدتهم المريرة وقلقهم الدائم راضيا سعيدا لأنه لمثل هذا الجمال يليق بالقلب أن يشعر.
لأنتهي واضعة يدي على قلبي باقتباس منها يصفها "وآذاه قلبه من الرقة".
"High Walls" is Al-Kharrat's first stories collection and his first published work (1959).
It was pretty much conventional than his experimental novels that he wrote in the 80's and 90's that I prefer tbh. The only thing that hasn't changed was the flowery and poetry-esque quality of his prose.
The collection has one theme: alienation. Not in the Marxist-albeit class alienation does play a role here fore sure- sense mind u but in the social, psychological, cultural and spiritual alienation that happens to characters in urban (Alexandria) and rural (the south or what is called upper Egypt) settings, in the 40's and 50's Egypt. The title of the collection sums it all. Every character in each story is trapped from the inside and from the outside by high walls that prevent any communication, comprehension, inclusion, understanding, love, hope, self realisation etc. from happening. Its like the living dead but minus the postmodern campy horror irony bs.
If this alienation is a war, then gender relations, sex, love, powerdynamics are its battlefield. Each story demonstrates in a very peculiar lucidity, the different kinds of sufferings and prices men and women pay in consequence of this inner and external imposed alienation. Of course, women pay the price more. If you wanna read for example a story abt a very intersectional and revealing honour killing than this collection is def for you my friend
The only reason I didnt like it that much was for the style, its not that I hate conventional shit, but its more abt a personal ickiness that I feel every time I read flowery prose. It doesn't always work with me, im not that big into poetry srry.
Though I have to say, this collection, and probably all of Edward Al-Kharrat's work canbe described as "modern rebels" lit à la DFW: "The new rebels might be artists willing to risk the yawn, the rolled eyes, the cool smile, the nudged ribs, the parody of gifted ironists". And my poor postmodern ironic self was tempted a to do all of the above unfortunately, while reading High Walls.
"رأى عينين واسعتين عميقتين تطلان بتساؤل في عينيه، عينين يتوقد فيهما ذكاء شقي حاد، سوف يتثلم حده، وعمق سوف يضمحل ویتوقد فيهما مع ذلك شعاع غامض من حزن وإدراك."
"وهو يعرف أي أثر كان يخلفه في زملائه ومدرسيه. صمته المتعالي الذي يقنع خجلا جارحا، وانزواؤه تحت مظهر من الجد، والتحفظ، حتى يقي نفسه، وإنما يطل من عينيه -فقط- تساؤل نشيط، وفضول لا يقاوم، وسخرية يدافع بها عن نفسه."
”عليها أن تقطع مرة واحدة خيوط كل هذه الشرايين التي تصلها بدم الحياة نفسه. عليها أن تعود إلى عالمها الجاف، تعود لتودي عملها فقط، كمن يقوم بسخرة، مكسورة الآن ، منهزمة، لكن انهزامها على يدها وحدها، في ذلك نوع من النصر، من الظفر. ألعلها هي التي أقفلت بنفسها كل النوافذ أمام نفسها؟ أم هو مصيرها الذي لا محيد عنه: ألا تجد أبداً غير الخيبة والحبوط […] أعليها إذن أن تحيا دائماً يتيمة مهجورة؟ أم هي تؤثر اليتم، في دخيلتها، وتختاره طائعة؛ كما لو كلنت تطمئن إلى أحزانه المألوفة، وتخشى أن تواجه الحياة، وحدها تحمله من احتمالات آلام جديدة غريبة؟“
في ظهر يوم حار(عمل نبيل)ا القصة دي تحديداً علامة تدل على كاتب متمكن جداً من فنة لدرجة وجود فواصل تخيلية كبيرة دون التنويه لأن البطل يحلم لكن القارئ يستشرف ذلك بسهولة بل ويستمرئ الخوض مع الكاتب في هذه الأحلام