هذا كتابٌ فريد في فنون الحكمة، وضروب رياضة النفس. وضَعَهُ مؤلفه الحكيم بقصد تهذيب النفس ورياضتها، وحثَّها على استكمال حاجتها من الأخلاق الفاضلة والتربية القويمة. وقد جاء الكتاب -بفنونه المتعدِّدة، وموضوعاته المتشعِّبة- مازجًا بين ثراء تجربة صاحبه وحداثة مُشاهداته، وسعة مطالعاته وعمق إبحاره في تُراثنا؛ فجمع باقة من تقاليدنا الحضارية في فهم النفس وعلاجها إلى بعض الفهم الغربي المستحدَث لدخائل النفس البشرية، محاولًا بذلك استنقاذ تقاليدنا التي أوشكت -آنذاك- على الاندثار تحت وطأة التحديث. فهو بكتابه هذا رائدٌ في معالجة النفس ورياضتها، كما كُتب اسمه رائدًا في النقد الاجتماعي بكتابه الأشهر "فترة من الزمن"، المسمَّى: "حديث عيسى بن هشام".
محمد إبراهيم المويلحي ولد سنة 1858 في القاهرة في أسرة مقرَّبة جدًّّا إلى الخديوي إسماعيل. ألقي القبض عليه سنة 1882 أثناء الثورة العرابية وهو يوزِّع منشورات وحُكم عليه بالإعدام بيد أن الحكم خُفِّف وبدِّل إلى حكم بالنفي، فالتحق بأبيه إبراهيم وبالخديوي إسماعيل في أوربَّا وشارك مع أبيه في تأسيس عدة جرائد منها الاتحاد. ثم قضى مدة من الزمان بالأستانة حيث أتيح له أن ينسخ مخطوطات منسية لعدة أدباء من العرب المشهورين أمثال أبو العلاء المعري ونشرها فيما بعد في مصباح الشرق.
ترك أباه بالأستانة سنة 1887م وعاد إلى مصر حيث استأنف نشاطه الصحافي فنشر عدة مقالات في المقطَّم متعلقة بالقضية الوطنية. تقرَّب إلى الأميرة نازلي فاضل واتصل بمن حولها من الإصلاحيين أمثال محمد عبده وقاسم أمين وحافظ إبراهيم. عاد أبوه إبراهيم إلى مصر سنة 1895م وأسَّس صحيفة مصباح الشرق فتولى محمد بالتدريج رئاسة تحريرها ونشر فيها أشهر عمل له تحت عنوان فترة من الزمان.
عد موت أبيه سنة 1906م اعتزل محمد الساحة الفكرية شيءًا فشيئًا إلى أن مات بحلوان سنة 1930م.
يقول محمد إبراهيم المويلحي (1858-1930) في كتابه «علاج النفس»: "لا بقاء على الدهر مثل بقاء الصحف المكتوبة والكتب المسطورة". وها أنا أصدِّق على ما قاله فأقرأ كتابه بعد قرنٍ تقريبا من رحيله. اللغة فخمة والكتاب جميل، يكتب فيه المويلحي تأملاته في ما يكدِّر النفوس وما يعالجها. هناك تأثر واضح بالفلسفة الرواقية، إلى درجة المبالغة أحيانًا كما في فصل "الغضب" وهو أطول الفصول (يحتل أكثر من ربع الكتاب) رغم أنه كان أقلها في رأيي. أما أجمل ما في الكتاب فكان فصل "ساعات الحياة". ورأيتُ أن الفصل الأخير "الصيت والذِّكر" كان يمكن ضمه إلى فصل "السمعة والشرف"، وهما فصلان جميلان. ومجمل القول أنني قد سعدتُ وتشرفتُ بلقاء المويلحي.
السابع والعشرين من رمضان 1445 السادس من أبريل 2024
رحم الله المويلحي لغة عالية وعلاج نافع مع بيان واضح سمعت أنه من أفضل من عالج موضوع "الغضب" وقد صدق الوصف. ففصل الغضب هو أطول الفصول وسبب تأليف الكتاب أن المويلحي صفعه أحد السفهاء في المطبعة أمام الناس فخرج من المطبعة واتجه لبيته بلا ردة فعل وقعد يعالج غضبه هذا فأخرج لنا هذه الجوهرة.
على الرغم من استخدام الكاتب لقصص قد تكون خيالية وأساطير واستشهاده بها على أنها حقائق إلا ان الكتاب مليء بالنفائس والدرر في علاج النفس وحضها على الفضائل ودفعها لوضع كل امر في نصابه الصحيح
كتاب في التهذيب و الإصلاح الأخلاقي. بدأ فيه الكاتب من الفلسفة و انتهى إلى الأخلاق كأسمى ما تقدمه الفلسفة للمرء -بحسب ما يرى المويلحي- الأديب المرهف.
الذي كتب هذا النص في لحظة تاريخية مضطربة: نهاية القرن التاسع عشر وبدايات العشرين، حيث كان العالم العربي يعيش صدمة الحداثة لا اكتمالها. الاحتلال حاضر، الدولة التقليدية تتآكل، والتعليم الحديث يزاحم الأزهر والكتاتيب، والصحافة تصنع رأيًا عامًا جديدًا لم يعد خاضعًا بالكامل لسلطة العلماء أو الحكّام.
والسؤال الذي يفرض نفسه هنا : هل كان المرض الذي يتكلم عنه المويلحي تاريخيًا أم فرديًا؟
أما عن لغة المويلحي فهي رقيقة، ودقيقة ومرهفة، وواعية ومتزنة،أخف حدّة من قلم أبيه الذي لم يخف التأثر البالغ به.
المقالة الأمتع بالنسبة لي - وكل الكتاب ماتع- كانت الأولى بعنوان ( بساطة الفلسفة). فالفلسفة لم تكن يومًا بسيطة بالنسبة لي، ولكنّ المويلحي كأنما نسج منها عقدًا جميلًا ووضعه في راحة يديّ!
لقد تعرض في مقالته الأولى إلى الشىء اليسير من أصول الفلسفة ولبابها وقد غلفها برقة العرض و لفها ببساطة القول لتستقرّ في نفس المتلقي بغير تيه في دروب الكلمات والأفكار و ضياع جوهر ما كان يريد تثبيت أصوله.
ربما في صدمة بداية الحداثة كان يخشى على الناس من التفلّت و انهيار الأخلاق فوضع تلك الرسالة في محاولة لإخفاء قلقه المعاصِر، و الحفاظ على الهوية الأخلاقية للأمة. وختامًا فالكتاب عظيم النفع، هامّ لمن يريد تهذيب نفسه و إصلاحها و السموّ بها عن الرذائل، والارتقاء في معارج الفضائل.
رائع جدا المويلحي كتب تحفة فنية في هذا الكتاب اختيار المواضيع وعليها الطرح السلس والجميل.
حبيت فصل الغضب أكثر شي وأبدع الكاتب فيه، شرح أسبابه ومن ثم طرق العلاج وأجاد في الموضوع بالتفصيل. وكل الكتاب صراحة جميل وممتع أشكر دار روائع الخزانة لاخراج هذي التحفة.