هذا الكتاب.. نحسب أنه جاء في الظرف المناسب، فهو يعتبر إحدى القراءات المعاصرة لـ «وثيقة المدينة» ومحاولة جادة لبلوغ بعض الأبعاد والدلالات التي تضمنتها، ذلك أن الحاجة اليوم تشتد أكثر فأكثر، في هذه الحقبة التاريخية، أو اللحظة التاريخية، من محاولات عولمة العالم، وفتح أسواقه التجارية واقتحام ساحاته الثقافية، وإسقاط الحدود والسدود الجغرافية والسياسية والسيادية، واستبدالها بالعولمة الثقافية والتجمعات الاقتصادية، وإقامة التحالفات والمعاهدات الاقتصادية والسياسية، ومحاولات بناء المشترك الإنساني، في هذا المناخ الثقافي السياسي الاقتصادي الاجتماعي، تشتد الحاجة إلى العودة لدراسة التراث لاستلهامه وطلب إجابته عن أسئلة الحاضر ومآلات المستقبل، وخاصة السيرة، ميراث النبوة، لأنها قادرة على الإجابة عن الأسئلة وتقديم الحلول العملية وأدلة التعامل مع الإشكاليات في كل زمان ومكان.
كم نحن بحاجة اليوم إلى العكوف على التراث، وعلى الأخص القدر المتأتي من معرفة الوحي، من مثل: صلح الحديبية، «وثيقة المدينة»، «العهدة العمرية»، لا للتفاخر ومعالجة مركب النقص وإنما للاجتهاد والاستنطاق والاستلهام، لتشكل لنا مدداً وحماية ودافعية، فنقدم عطاءً حضارياً إنسانياً مشتركاً، نكون به في مستوى إسلامنا وعصرنا.
والكتاب في أصله رسالة علمية محكمة، يمكن أن تعتبر بعمومها استدعاءً للموضوع لساحة الهم والاجتهاد والتوليد، فهذه الوثائق الخالدة سفر مفتوح للنظر في كل زمان ومكان وإنسان، لا يغطيها أو يحيط بعطائها زمان ولا مكان ولا باحث أو دارس.