لم يعجبني ما ورد في التمهيد من نقل قول واحد في تأويل حديث خيانة حواء جزماً بغير علم، تأويل مخالف للمشهور وللنص القرآني! لو صمت الكاتب كان خيراً له من الاكتفاء بنقل وجه التأويل المذكور. ثم أزعجني جداً عدم ذكر عظيم الرحمة وتلقية كلمات التوبة وتوبة الله على آدم وزوجه المستحسن ذكرها في أي سياق تذكر فيه القصة، والاكتفاء بشؤم معصية آبائنا. الانسياق في الموضوع تأسيساً على شؤم هذه المعصية لم يرُقني أبداً.
الحديث "لولا حواء لم تخن أنثى زوجها الدهر" ..
الحديث فيما يحسُن أخذه من المعلوم بالضرورة .. يدل على أن طبيعة الإنسان الخطأ، والوقوع فيه، إذ أداة "لولا" وما تفيده تؤكد على أن الأنثى لو نجت من تقدم حواء عليها بالخيانة لكانت معصومة منها، بعيدة عن قربانها، على حين يُحدثنا القرآن جميعاً عن ابتلاء الإنسان، وقَدَرِه الذي أراده الله - تعالى - له في الحرية والاختيار ﴿إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعا بصيراً. إنا هديناه السبيل إما شاكراً وإما كفوراً﴾ (سورة الإنسان 2 و3). لو ذُكر هذا وهو فيما أحسبه الأصلح لسياق الكاتب لكان خيراً.
وما هي معصية حواء؟ قال ابن الأثير في جامع الأصول: خيانة حواء آدم: هي ترك النصيحة له في أمر الشجرة، لا في غيرها.
قال ابن الجوزي في كشف المشكل: أما خيانة حواء زوجها: فإنها كانت في ترك النصيحة في أمر الشجرة لا في غير ذلك، والمراد أن بني إسرائيل لما نهوا أن يدخروا فخالفوا فسد اللحم، واطردت الحال فيه عند كل مدخر، ولما خانت حواء زوجها اطردت الحال في بناتها. اهـ.
الله أعلم بما كان تماماً، لكن سياق الحديث وكل السياقات المذكورة فيها القصة لا يؤخذ منها أن حواء حرضت أبانا عليه السلام أو أغرته، بل ورد في السياق القرآني الذي جمع آدم وحواء قول الله تعالى: ﴿فَأزَلَّهُما الشَّيْطانُ عَنْها فَأخْرَجَهُما مِمّا كانا فِيهِ وقُلْنا اهْبِطُوا بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ولَكم في الأرْضِ مُسْتَقَرٌّ ومَتاعٌ إلى حِينٍ﴾، أزلهما الشيطان ولم يزلّ أحدهما الآخر!
وقال تعالى: ﴿فَوَسْوَسَ لَهُما الشَّيْطانُ لِيُبْدِيَ لَهُما ما وُورِيَ عَنْهُما مِن سَوْآتِهِما وقالَ ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إلّا أنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أوْ تَكُونا مِنَ الخالِدِينَ﴾ ﴿وقاسَمَهُما إنِّي لَكُما لَمِنَ النّاصِحِينَ﴾ الضمائر توحي أنهما شركاء في المعصية، لا يوجد ما يشير لتقدّم حواء وإغرائها أبداً.
بل ظاهر القرآن يدل على عكس التأويل المذكور من أن حواء أغرت آدم عليما السلام وحرضته على الأكل، فهناك موضع يشير إلى أن آدم هو السابق إلى الأكل، وأن حواء اقتدت به في ذلك، كما في قوله تعالى: ﴿فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى * فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى * ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى﴾ {طه: 120 ـ122}.
أذكر هنا ما قال العلامة ابن عاشور في التحرير والتنوير في تفسير آيات طه: أي فعمل آدم بوسوسة الشيطان فأكل من الشجرة، وأكلت حواء معه، واقتصار الشيطان على التسويل لآدم، وهو يريد أن يأكل آدم وحواء، لعلمه بأن اقتداء المرأة بزوجها مركوز في الجبلة... وقوله: وعصى آدم ربه ـ عطف على: فأكلا منها ـ أي أكلا معا، وتعمد آدم مخالفة نهي الله تعالى إياه عن الأكل من تلك الشجرة، وإثبات العصيان لآدم دون زوجه يدل على أن آدم كان قدوة لزوجه، فلما أكل من الشجرة تبعته زوجه، وفي هذا المعنى قال الله تعالى: يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا {التحريم: 6}. اهـ. ولذلك، فالأقرب إلى الصواب في معنى هذا الحديث، هو ما ذكره الوزير الفاضل ابن هبيرة في كتاب الإفصاح عن معاني الصحاح، فقال: قيل: إن خيانتها لزوجها، أنها لما رأت آدم قد عزم على الأكل من الشجرة تركت نصحه في النهي له، لأن ذلك كان ترك النصح له خيانة، فعلى هذا، كل من رأى أخاه المؤمن على سبيل ذلك فترك نصحه بالنهي عن ذلك النهي فقد خانه، ولا يخرج هذا من تسمية الخائنين الذين جزم الله سبحانه منهم: إن الله لا يحب الخائنين ـ اللهم إلا أن يسكت تقية، فذلك له حكم تعلق به.