جلست على شاطئ البحر تراقب الغروب...تصفحت الديوان الذي أهداها إياه والدها في عيدها الـ20 ... قرأت بصوت عالٍ ....
كفكف الدمع ولا ترضَ بحال أن تكون امرأة بين الرجال يا بنيَّ الموت حق، والزوال نازلٌ بالكل إن شاء الإله.
بكت حال ذلك الصغير الذي توفي والده وتركه ليعمل كصبي في البحر((تباب))...بكت طفولته الضائعة في زمن الطغيان...وتمنت لو كان لها قدرات خارقة تعيدها للماضي البعيد...تمسح دمعه بكفيها وتحتضن رأسه لتخبره أنه سيكون يوماً إلهاما يغذي مخيلة شاعر مبدع فينثر على الورق درر من الكلمات...
هب نسيم عليل تطايرت معه خصلات شعرها الغجري...فتحت على قصيدة أخرى و قرأت...
زغردي يا خالتي يا( أم جاسم) زغردي قد عاد طرًّاق المواسم جهزي الحناء،هاتي الياسمين هاكِ ماء الورد والعود الثمين عطري (البشت) وأعطيني الخواتم.
أغمضت عينيها تاركتاً العنان لمخيلتها الصغيرة لأن تأخذها بين أحضان الشوق لذلك الرجل المغوار...قاهر البحر ، مقتحم الصعاب...خفق قلبها الصغير عندما تخيلت نفسها ترتدي ذلك الثوب المطرز...رأت غرفة صغيرة تتحول بفعل الشوق لقصر كبير...أخذت نفس عميق فأحست برائحة العود الممزوج بماء الورد والياسمين تملأ روحها عبقاً...
سقط الديوان من بين يديها...انحنت لتلتقطه فالتقط عنوان تلك القصيدة عيناها...وقفت كمن يلقي شعراً على الملأ و بدأت...
ويحهم قد أبحروا،ويح الشجون ويح ما يجتاح أعماقي ويطغى في جنون ويح أيام تغذت من عذاب ثم هدت جسمي البادي الغضون. هاهمُ قد أبحروا..كل الرفاق شرعوا بالشوق في بدء انطلاق والمجاديف مضت في البحر.. عنفا واتساق بينما تلك الصوراي في أنين... هي والنهام في لحن حزين... لا يطاق...
ابتسمت تحية لذلك الغواص الكادح الشجاع...قالت كمن يواسي أحدا:لو كنت ((النوخذة)) لما استغنيت عنك أبدا...لو كنت ((النوخذة)) لكنت أهم غواص لدي...نظرت للأرض بانكسار وهي تقول: ولكنني لست النوخذة...تنهدت وهي تراقب آخر شعاع شمسي يغوص في بطن البحر...صرخت تودع الشمس بأعلى صوتها...لوحت بيدها للأفق...وانطلقت عائدة لبيتها الصغير...
هذا بعض مما أوحى لنا به ديوان شاعر البحرين المبدع الأستاذ علي عبدالله خليفة...وكم تمنينا أن نهديه لكم جميعاً...ونظراً لاستحالة الأمر فقد قررنا أن نقدم لكم ما جادت به مخيلتنا المتواضعة...علنا نهديكم قبساً من الماضي يدفعكم للبحث عن هذا الديوان القيم في بطون المكتبات.
علي عبدالله خليفة (البحرين). ولد عام 1944 في المحرق. درس في كتّاب البحرين 1951 وحصل على الثانوية العامة 1962. أسس دار الغد للنشر والتوزيع في البحرين 1974, ومجلة (كتابات) الأدبية الفصلية, ورأس تحريرها 76-1985, ومجلة (المأثورات الشعبية), ورأس تحريرها 85-1987, كما أشرف على تأسيس مركز التراث الشعبي لدول الخليج العربية, وتولى إدارته لخمس سنوات 82-1987. من دواوينه الشعرية: أنين الصواري 1969 - عطش النخيل 1970 - إضاءة لذاكرة الوطن 1973 - عصافير المسا 1983 - في وداع السيدة الخضراء 1992. مؤلفاته: ديوان الفرحان (تحقيق). منح الدكتوراه الفخرية في الآداب من جامعة سيكلونا الأمريكية 1989.
في البحرين لنا تجارب ابداعية نابعة من صميم البيئة البحرينية ومنها هذا الديوان الرائع وهو أول ديوان للشاعر البحريني علي عبدالله خليفة الذي يتحدث بشكل رئيس عن معاناة مهنة الغوص التي كانت اشبه باقطاع بحري
اسم الكتاب: ديوان أنين الصواري المؤلف: علي عبدالله خليفة الصفحات: 160 رقم الكتاب: 32 (2025)
لا أظن أن هنالك أحداً قرأ لعلي عبدالله خليفة شاعر البحرين الكبير ولو قصيدتين، ولم يُعجب بما يكتب، وها أنذا أعود من جديد لمصافحة شعره وهذه المرة من ديوانه الأول أنين الصواري بطبعته الثالثة.
هذا الديوان يحمل كماً جميلاً وعميقاً في الأشعار التي احتوته، ما يميز هذه القصائد عدة أشياء لعل من أبرزها ثيمة البحر ومواسم القُفّال والغوص، والبحرين القديمة ما قبل النفط بالذات، فمثلاً في قصيدة صدى الأشواق نراه يعبر عن مشهد انتظار الأمهات وصول أبنائهن وأزواجهن لهن بعد انتهاء مواسم الغوص، في صورة دافقة الشعور، يقول:
«زغردي يا خالتي يا أم جاسم زغردي قد عاد طرّاقُ المواسم جهزي الحناء هاتي الياسمين هاك ماء الورد والعودَ الثمين عطّري البشتَ وأعطيني الخواتم. طافت البشرى بأهل الحي قومي واتركي عنكِ تعلّات الهمومِ قد سمعتُ الكل في الأسياف يحكي عن شراعٍ في المدى اجتاز اختبارات المحكِّ…إلخ»
يستعرض هنا فرحة الأهالي بعودة رجالهم الذين ذهبوا لرحلة الغوص السنوية الطويلة، ثم عادوا في موسم عودتهم، ليخرج الجميع في استقبالهم وسط أغاريد النساء، وسعادتهن، واللهفة التي تغمرهن.
ويصوّر «خليفة» مشهد الوداع لدى الغواصين لأهلهم عند ابتداء موسم الغوص، بطريقة مشجية وعذبة في قصيدة تحمل عنوان الديوان:
«ويحَهم قد أبحروا، ويح الشجون ويح ما يجتاح أعماقي ويطغى في جنون ويح أيامٍ تغذت من عذاب ثم هدّت جسميَ العاجزَ البادي الغضون ها هم قد أبحروا كل الرفاق شرّعوا بالشوقِ في بدء انطلاق والمجاذيف مضت في البحرِ عنفاً واتساق بينما تلك الصواري في أنين…»
وأتى على ذكر المحرق، تلك المدينة البحرينية الساحرة ذات التاريخ العريق، في قصيدة صدى الأشواق، نراها تمرح في مقاطع من القصيدة الطويلة، فمنها: «يا حبيبي سوفَ أحكي لك عن ليل المحرّق حين يخلو من جموعٍ تنزوي في كل مفرق تقطع الوقت بأوهامٍ وأحلامٍ وتطرق كل بابٍ للدعايات وأشجان الحديث سوفَ أحكي لك عن ليل المحرق حينما يخلو من الناي المؤرّق في الليالي المقمرات يسكب اللحن العراقيّ الحزين…إلخ»
وللمحرق مكانة خاصة في قلوب البحرينيين وغيرهم، وجاءت هنا نظراً لارتباط البحر والبحارة بها، وللعلاقة العاطفية الوثقى الرابطة بين الشاعر أو البحرينيين بالعموم وبين هذه المدينة الجزيرة -باعتقادي-
وأما عن علي عبدالله خليفة والشعر الغزلي، فنراه في أكثر من صورة متنوعة بأكثر من قصيدة، مثلاً نراه يحاور الحبيبة في قصيدة شمس المفاوز: «فكم حلمتُ أنني كما أنا ممزق المشاعر وأنكِ حبيبتي، وشمعةَ الفؤادِ المنطفي وأنني إليكِ أرتمي وتنتشي عواطفي كنشوة الجفاف بالمطر كفرحة الإياب للديار من سفر حبيبتي حبيبتي خذي إليك ظامئاً يُقلّب الرمال والصخر ويرقُبُ السماء علّها وعلّ قطرةً من الحنان تطفئ السَّعَر… إلخ»
وفي قصيدة أخرى: «أيها الحسن الذي مسّ الشغاف يا حرير الشعر يا حلو انعطاف يا ابتساماً جاء عفواً فحلّى وأضاف يا ربيعاً جاء بالخصبِ وأدنى بالقطاف يا شباب الزهر مفتوناً بباقاتٍ لطاف هل ترى عاش لديكَ الحزن أو مرّ عليك؟»
ختاماً، هذا الشاعر البحريني الخليجي العظيم، لن نكتفي من الحديث حول شعره والتعمق فيه، ولكثرة الأمثال التي نستطيع الحديث فيها من شعره، حاولت تسليط الضوء وإعطاء تحليل وتفسير بسيط من وجهة نظري الصغيرة، آملاً بأني استطعت الإنصاف قدرما أستطيع، وهذا شاعر لا يعلوه غبار وليس لتقييمي حول ديوانه شيءٌ ينقص من مكانته بالتأكيد.
وهذا ديوانٌ يجب أن يُقرأ، وشاعرٌ يجب أن تُسبر أغوار شعره ومشاعره.
نضج الوعي بالنفس والمحيط يخرج المجموعة من سباق الزمن، كذلك التأريخ المعذّب لشقاء الغوص يفعل، فكلما قرأت بحّته السمراء ازددت إعجابًا بحنجرته، وكلما باغته البحر والبحّار الذي في هاجسه ركنت إليه. فنيُا، أشعر أن تفعيلاته المتقدمة كانت مأخوذة بالتقفية، ويبدو لي أن نفسه يتهافت في المطوّلات؛ غير أن غنائيته العالية تهوّن من هذا التفاوت، ولا تلغيه.