جميلٌ أنت يا إدوارد
عجيبٌ أنت يا إدوارد
عظيمٌ أنت يا إدوارد
مهمّ , لطيف , مخيف ,
هذه الكلمات التي سيجدها المارّ من مكتبتي مبعثرة على صفحات الكتاب .
____
الكتاب المكوّن من مجموعة مقالات كتبت على امتداد ثلاثين عاما , سُمّي باسم مقال فيه " تأمّلات حول المنفى " الذي يظهر ادوارد سعيد فيه و كأنّ قلمه قلبُه , هذا المقال المرعب عن المنفى ( الإشكاليّة الأكبر في حياة سعيد ) يستحقّ القراءة مرّات قبل أن ينفد رصيد الدهشة و الإحساس العالي فيه , المنفى الذي يتمثّل لديه جوزيف كونراد كأعمق و أفضل من مثّله .
هناك مقال عجيب و بديع عن تحيّة كاريوكا , الراقصة بعين الفيلسوف , يتنقّل بك سعيد في ذاكرته إلى صباه حين تسلّل إلى عرض لكاريوكا و ابتدأ بها شغفُه و دراستُه , يليمرّ عبر مراحل حياتِها حتى يوم رمت السبعين وراءها إذ زارها و كان أوّل ما قالت بعد ما سلّمت من صلاتها : " كلّهم خاينين " أولئك الرجال , ليقرأ في شكواها قدرة متجدّدة على الحبّ , كما قرأ من قبل في رقصها "عالمة " تمارس في الرقص إحدى مهاراتها لتحقّق دورها في نهضة مصر !
لهذه المفارقات كلّها أقول إنّه مقال بديع .
هناك مقالان - أو ربّما ثلاثة - يتكلّم فيهما إدوارد سعيد عن ذكريات الطفولة في مصر بين القاهرة التي يعشقها و الإسكندريّة التي لم تدخل قلبه , كأنّما صفحاته هذه ذاكرته فأنت إذ تقرأ تمشي في دروب الحنين لديه .
كان من الجميل ما كتبه أيضا عن نجيب محفوظ و الرواية العربيّة و " نظريّة الرواية " ايضا , تحليله لغسّان كنفاني مدهش , ونقله لآراء جورج لوكاش في الرواية كتعبير عن عالم هجره الإله و يوظّف الزمن العلماني فيه كمفارقة ساخرة للدلالة على التيه و الاغتراب الذي يعيشه ابن هذا العصر , كان مدهشاً ,
و جورج لوكاش المدهش حقّا حاضر بقوّة في هذا الكتاب , سواء بكتابه عن الرواية أو بكتابه الآخر " التاريخ و الوعي الطبقي " و هذا يظهر بجلاء في "مقاله عن " ارتحال النظريّة "
و من الطبيعيّ أيضا أن يكون غرامشي حاضرا بقوّة كذلك , غرامشي الذي يشترك معه ادوارد سعيد في اعتباره المثقّف هو المعارض للسائد و المألوف , عقيدة المثقّف و مهمّته الأزليّة التي إن انفكّ عنها انفكّ عن ثقافته و ذاته , هو الانتماء المشترك بين غرامشي و سعيد ,
كما تجد في مقالاته عن الأكاديميا مهمّتها و حدود الحريّة فيها هذه العقيدة واضحة بجلاء و لكن الأوضح الغالي في هذه المقالات و غيرها هو إِشكاليّة الهويّة التي عاشها إدوارد سعيد , بين لغتين و بلدين و ثقافتين و صراعين , يكف تتركّب الانتماءات و كيف لا تقتل الهويّات بعضها , و كيف تكون اللغة منفى و وطنا , و كيف عاش ثنائيّة التيه هذه منذ تعميده إلى سنوات دراسته في المدارس الكولونيالية في مصر و حتى عمره الاكاديمي في جورج تاون .
ربما تكون مساحات الاختلاف مع ادوارد سعيد واسعة - و هو الذي يعلن عداوته للتفكير الديني - ولكن مساحات الالتقاء و التعلّم في ساحة الفكر و النقد و الإنسانيّة التي يمثّلها هي لا شكّ أوسع بكثير من أن يكون بعضٌ من الاختلاف لها نافياَ . .