لم يكن الأستاذ العقاد مجرد مفكِّر نابه أو شاعر مطبوع أو كاتب موسوعي ضربَ في كل فنٍّ من فنون الكتابة بسهم وافر، وترك في كل باب من أبوابها آثارًا مشهودة، وإنما كان فوق ذلك إمامَ مدرسة وزعيمَ اتجاه. وليس مردُّ هذه الإمامة أو الزعامة إلى ما عُرف به الأستاذ من كثافة المحصول وثراء التكوين الذي أقرَّ له به خصومُه وشانئوه قبل أشياعه ومريديه، ولكن مردَّها في تقديرنا إلى خلائقه النفسية، وما طُبع عليه من استقلال النظر وأصالة الرأي والنفور من التقليد والاتباع.
وإنك واجدٌ أمارات هذه الإمامة على أوفى صورها وأجلاها فيما دبَّجه الأستاذ من مقالات متناثرة في كبريات المجلَّات والصحف المصرية والعربية. وبين هذه المقالات صفتان جامعتان؛ إحداهما: أنها بلغت من الكثرة والتنوع حدَّ الإعجاز؛ فهي تشمل الأدب والفكر والشعر والتاريخ والدين والفلسفة والسياسة وشئون الاجتماع.. إلخ. والأخرى: أن الأستاذ اشترع في كتابتها أسلوبًا متفرِّدًا كان خليقًا أن يُدرجه لا في طليعة الكُتَّاب المُجيدين خلال القرن العشرين فحسب، وإنما في طليعة مجدِّدي النثر العربي في العصر الحديث أيضًا. فلا جَرم كان جمع هذه المقالات وإتاحتها للقراء عملًا جليلًا نحن في أشدِّ الحاجة إليه.
ولد العقاد في أسوان في 29 شوال 1306 هـ - 28 يونيو 1889 وتخرج من المدرسة الإبتدائية سنة 1903. أسس بالتعاون مع إبراهيم المازني وعبد الرحمن شكري "مدرسة الديوان"، وكانت هذه المدرسة من أنصار التجديد في الشعر والخروج به عن القالب التقليدي العتيق. عمل العقاد بمصنع للحرير في مدينة دمياط، وعمل بالسكك الحديدية لأنه لم ينل من التعليم حظا وافرا حيث حصل على الشهادة الإبتدائية فقط، لكنه في الوقت نفسه كان مولعا بالقراءة في مختلف المجالات، وقد أنفق معظم نقوده على شراء الكتب.
التحق بعمل كتابي بمحافظة قنا، ثم نقل إلى محافظة الشرقية مل العقاد العمل الروتيني، فعمل بمصلحة البرق، ولكنه لم يعمر فيها كسابقتها، فاتجه إلى العمل بالصحافة مستعينا بثقافته وسعة إطلاعه، فاشترك مع محمد فريد وجدي في إصدار صحيفة الدستور، وكان إصدار هذه الصحيفة فرصة لكي يتعرف العقاد بسعد زغلول ويؤمن بمبادئه. وتوقفت الصحيفة بعد فترة، وهو ماجعل العقاد يبحث عن عمل يقتات منه، فاضطرإلى إعطاء بعض الدروس ليحصل على قوت يومه.
لم يتوقف إنتاجه الأدبي أبدا، رغم ما مر به من ظروف قاسية؛ حيث كان يكتب المقالات ويرسلها إلى مجلة فصول، كما كان يترجم لها بعض الموضوعات. منحه الرئيس المصري جمال عبد الناصر جائزة الدولة التقديرية في الآداب غير أنه رفض تسلمها، كما رفض الدكتوراة الفخرية من جامعة القاهرة. اشتهر بمعاركه الفكرية مع الدكتور زكي مبارك والأديب الفذ مصطفى صادق الرافعي والدكتور العراقي مصطفى جواد والدكتورة عائشة عبد الرحمن بنت الشاطئ.
كانت المقالة الفن الأدبي الأمثل لاستيعاب قلم العقاد، لأنه الفن الذي يُوفر له حرية السياحة في الحقول المعرفية المختلفة، ويوفر له كذلك حرية الغوص في الأعماق وسبر الأغوار البعيدة. وفرت المقالة للعقاد مساحة يتمدد فيها طولا وعرضا، فتمدد وتمدد، حتى ملأ الدنيا. وأحسب أن هناك مساحة تقاطع كبيرة بين هذا المشروع الضخم التي تقوم عليه مدارات وبين الأعمال الكاملة للعقاد(إلا ما نُشر فيه من مقالات لم تنشر قبلُ إلا في المجلات وهذا على ما أظن قليل)، لأن كثيرا من مقالاته مضموم في كتب له، ومع هذا لا ننكر أهمية هذا المشروع، ولا جودة إخراجه، ولا الجهد المبذول في ترتيب المقالات على موضوعاتها وتأريخها وعزوها إلى مراجعها، وما لذلك من فائدة كبيرة في دراسة العقاد ومعرفة أطواره، وقد قرأت في هذا المجلد مقالات لم أتبين صلتها بالسيرة الذاتية، وكان الأولى أن تضاف إلى مجلد القضايا السياسية(مثل: الجيش وقائده، ومصر والجمهورية) أو تضاف إلى مجلد الأعلام(مثل: مقالاته عن الملك عبد العزيز) وغيرها إلى مجلد النقد الأدبي.
العقاد، بالنسبة لي، كاتبٌ معلّم، ونهر فكرٍ متدفق. قلّما أتيته وعدت بلا شيء. وطالما عدتُ إلى بعض كتاباته فرجعت بأفكارٍ خصبة، تتجاوز في ثمارها ما أراد أو كتب. وإن كان العقاد صاحب كتب كثيرة، إلا أني أظن أن تألّق العقاد الأكبر كان في كتابته المقالة، حيث العبارة الموجزة والفكرة المكثّفة والإحاطة السريعة غير المخلّة. وهذا الجهد العظيم الذي تبّنته دار "مدارات" يعيد إلينا جواهر العقّاد بحلّة جديدة. فقد جمعت تحت عنوان (جمهرة مقالات العقاد) ما استطاعت الوصول إليه في أجزاء كثيرة، صدر منها حتى الآن ثلاثة. وهذا الكتاب الذي قرأته أوّلها. وقد دارت مقالاته حول السيرة الذاتية. ولن تجد العقاد يحدثك عن تاريخه الشخصي بالمعنى المعتاد، لكنها تأمّلات وتفكّرات متناثرة في مواقف من سيرته، أو زوايا من شخصيته. هذا ما يجيده العقاد، وهذا ما يتعلمه قارئه منه.