رواية "خيار الصفر" للكاتب زكريا عبدالجواد: قيثارة الحزن العربي بلحن ساخر
"أذهلني ذلك، ولكن منذ متى كان الذهول في بلادنا استثنائياً“ زكريا عبدالجواد ــــــ خيار الصفر
تختلف معاناة الإنسان العربي من وطن لآخر، فكل منا يعزف على قيثارته لحناً حزيناً يعبر عن ما في جعبته من آلام، ولكن بعضاً من هذه الألحان تدمي الفؤاد إن كانت مرتبطة باغتصاب الوطن، وباليأس من العودة إلى أحضانه يوماً ما.
يستعرض الكاتب زكريا عبدالجواد في روايته "خيار الصفر" صراع الإنسان الفلسطيني مع قدره المحتوم، وسعيه للفرار من رحلة نهايتها معروفة لأنها قد كتبت عليه جبراً لا اختياراً. هذه النهاية التي تحمل في طياتها مفارقات عدة، تتضح لنا جليَّة من خلال العبارات التهكمية التي تطلقها الشخصية الرئيسة في الرواية، والتي تذكرنا دائماً بأن النفس الإنسانية إن تجاوزت مرحلة فهم أسباب ما يدلهمُّ بها من خطوب، فإنها قد تلجأ إلى استخدام السخرية كوسيلة توفر لها الحماية من مخاطر المس العقلي في محيط تراه هذه النفس قد أصيب بنوعين من الجنون: إحداهما مؤقت والآخر دائم!
لقد كتب الكثير عن معاناة الإنسان الفلسطيني، ولكن القليل منهم قد تمكن من تجسيد هذه المعاناة من الناحية النفسية، وهذا ما استطاع الكاتب تحقيقه من خلال هذه الرواية باستخدامه الألفاظ ذات الدلالات الفلسفية العميقة. إن سبر أغوار النفس الإنسانية واستخراج مكنوناتها ليس بالأمر الهين، ولعل هذا ما يجعل رواية "خيار الصفر" مختلفة عن مثيلاتها من الروايات، فالكاتب يستخدم مفردات دقيقة، وتعبيرات فنية تثير في المخيلة صوراً متعددة من الألم النفسي، لدرجة أن القارئ بمجرد أن يكمل الكتاب لا يسعه إلا أن يتفاعل مع أحداثه ويعتبر نفسه جزءاً منها.
الصبر والألم، العقل والجنون، الغربة والوحشة، والواقع الأغرب من الخيال، هي بعض من المعاني التي تدور حولها أحداث الرواية، إذ أن كلاً من هذه المعاني تلامس وجدان القارئ وتثير في نفسه معزوفة من الأشجان والأحزان. ولأن كان ناجي العلي قد عزف على قيثارة الأحزان العربية بريشته الساحرة، فإن زكريا عبدالجواد قد أضفى عليها سخرية ممزوجة بالأسى من خلال كلماته، ولذا فإنَّه يذكرنا في نهاية المطاف بحقيقة مُرَّة فلقد "أصبح المدهش معتاداً والمحزن متوقعاً، والمأساة قدراً يجب أن يتلقاه المرء بالصبر الجميل". ــــ تمت ـــــ