What do you think?
Rate this book


192 pages, Paperback
First published January 1, 1935
"وددتُ لو أسُمِّيك، ولكنك تعلم لماذا لا أسمّيك، وحسْب الذين ينظرون في هذا الكتاب أن يعلموا أنك كنتَ أول المعزِّين لى حين أخرجنى الجَوْر من الجامعة، وأول المهنئين لى حين ردَّنى العدل إليها. وكنتَ بين ذلك أصدق الناس لى ودًّا فى السر والجهر، وأحسنهم عندى بلاء فى الشدة واللين."
"ذلك لأنه مريضٌ بهذه العلة التى يسمونها الأدب، فهو لا يحس لنفسه، وإنما يحس للناس، وهو لا يشعر لنفسه وإنما يشعر للناس، وهو لا يفكر لنفسه وإنما يفكر للناس. وهو بعبارةٍ واضحة لا يعيش لنفسه وإنما يعيش للناس، وهو حين يأتى من الأمر هذا كله يخادع نفسه أشد الخداع، ويضللها أقبح التضليل، فيزعم أنه مؤثر لا يريد أن يستمتع وحده بنعمة الإحساس والشعور والتفكير، وإنما يريد أن يشرك الناس فى هذا الخير الذى أنتجته طبيعته الدقيقة الخصبة الغنية"
"لم يكن نومه بأهدأ من يقظته، فقد كان يكتب نائمًا كما كان يكتب يقظا، وما كانت أحلامه فى الليل إلا فصولًا ومقالات، وخطبًا ومحاضرات؛ ينمق هذه ويدبج تلك، كما كان يفعل حين كانت تجتمع له قواه العاملة كلها، وكثيرًا ما كان يحدث أصدقاءه بأطراف غريبة قيمة من هذه الفصول والمقالات التى كانت تمليها عليه أحلامه فيجدون فيها لذة ومتاعًا."
"فخير ما أتمناه لك وخير ما أتمناه للصديق وخير ما أتمناه للعدو إن طابت نفسى وأحببت للعدو خيرًا، هو أن يجنبك اللّه أسباب الندم، ويعصمك من الاضطرار إليه والإيغال فيه. فلست أعرف ألما أشد ولا حزنًا ألذع ولا عذابًا أمضَّ ولا شقاء مفسدًا للحياة كهذا الذى يثيره الندم فى نفس الرجل الذى يقدر من الأمر ما يأتى وما يدع."
"ولكن اذهب إلى الأهرام، فما أظن أنك ذهبت إليها قط، وانفذ إلى أعماق الهرم الكبير، فستضيق فيه بالحياة وستضيق بك الحياة، وستحس اختناقًا وسيتصبب جسمك عرقًا، وسيخيل إليك أنك تحمل ثقل هذا البناء العظيم، وأنه يكاد يهلكك، ثم اخرج من أعماق هذا الهرم واستقبل الهواء الطلق الخفيف، واعلم بعد ذلك أن الحياة فى مصر هى الحياة فى أعماق الهرم، وأن الحياة فى باريس هى الحياة بعد أن تخرج من هذه الأعماق"
"وقد حفظت هذه الحقيبة بضعة عشر عامًا لا أعرف من أمرها إلا أنها مملوءة بالأوراق، فلما أتاح الظالمون لى شيئًا من فراغ، نظرت فى هذه الأوراق فإذا أدب رائع حزين صريح، لا عهد للغتنا بمثله فيما يكتب أدباؤها المحدثون، وقد هممت بنشره وقدمت بين يديه هذا الكتاب، ولكن هل تسمح ظروف الحياة الأدبية المصرية بإذاعة هذه الآثار يومًا ما."