رواية حياة مستقرة هي ثالت أعمال اكاتب الكبير عادل عصمت. تدور حول عائلة, تتكون من الرواي وحسام ونورا. حسام الذي يعود من الحرب ببيادة صديقه الذي توفي, وأجبر حسام وقتها على جمع أشلاءه بيديه. والأم الذي يحوم شبحها حول المكان, وفي الأحداث حتى بعد وفاتها, لكن يظل وجودها راسخًا. ونورا الأخت التي تشكل الرعاية لحسام, والتي تقوم بالبحث عنه طوال الوقت, والراوي الذي تتشكل حكايته بحكايات الأخرين بجانب حكايته هو, الذي فقد أحلامه وخسرها, وعاد من العراق بسبب الخوف من الحرب وبسبب خبر مرض أبيه, ليعيش حياة طبيعية مملوءة بالهزائم, ويطارد بشبح علياء حب الجامعة وأول علاقة, وماجدة, الفتاة التي قلبت حياته رأسًا, وزوجته التي تبدوا الحياة بينهم فاترة وعادية, خالية من أي شيء. زواج روتيني ممل.
" كنت بالم أشلاء صاحبي ، كل ما ألمها تقع مني ، وتطلع مرة تانية. ارفع إيده من على الأرض ، تكون معايا على دراعي ، أبص ألقاها مغروسة في الرمل ونصفها مفرود قدامي "
في تلك الرواية التي تتحدث عن مسيرة حياة أفراد عادية. شخصيات تعيش على هامش الحياة, ومن تلك الشخصيات تكمن براعة الكاتب عادل, في قدرته على خلق رواية عظيمة. فهو يلقي الضوء على الهامش, وعلى الأحداث العادية, فلديه قدرة أن يجعل مجرد بيادة, كبطل حقيقي يلقي بظله على الأحداث, ويجعل بيتًا هو الشيء الراسخ الذي يجمع الجميع, وببيعه ينتهي كل شيء. يجعل البيت رمز يحمل العديد من المعاني, ويجعل وجودة قوي. قادر على وصف نعل جزمة مهتريء وكيف يمكن من خلال قصة الراوي مع نعلهه المهتريء أن نلحظ حكاية جميلة, توصف معاناة الراوي وهو صغير, ثم معاناة طفولته, وبالتالي ينعكس ظل تلك المعاناة عليه حين يكبر, وعلى حياته كلها. البيت الذي في بناءة عيشهم جمعيًا في تقشف, وما موقفهم حين يقرروا بيعه, وكيف يلتقي الماضي وشقاءه مع أحلام الحاضر البسيطة, فيجد حسام رغبة في بدء حياة جديدة,والراوي في شراء تاكسي, ونورا تبكي على فقدان بيتها وإنتزاعه, لأنه ما يجمعهم, ولكنها تقرر معهم في إستسلام.
الرواية تنقسم لثلاث فصول, ويتم تقديم الشخصيات بنحو متمكن, في نقلات بارعة وإحكام جيد للسرد. يعطينا عادل عصمت رواية عن حياة مستقرة ظاهريًا, لكن لا شيء مستقر تحت وعائها, فيمكن لقشة أن تقسم تلك الحياة وتحيلها لإرتباك دائم. الأحداث البسيطة في أي عائلة, يمكن وصفها هنا وجعلها أحداث عظيمة قادرة على نقل الشعور والأفكار. الراوي الذي يطارد بيادة بحثًا عن أخيه وهي بدورها تطارده, والذي يلتقي بماجدة وفضيحة تسببت في إهتزاز حياته مع زوجته, وكيف كانت ماجدة هي التي تضفي معنى لحياته المملؤة بالهزائم. حسام الشخص الذي لا يريد الزواج ولا العمل, والذي سرق أمه التي ماتت بحصرتها, وأختفى ليقع في مشاكل الحياة, ليدرك بين نفسه بأنه وحيد ضعيف, وليجد طوق النجاة كما وجده يونس في بطن الحوت. الحكاية لكل شخص من منظوره, تختلف بد مرور الوقت, فنجد بأن حسام والراوي يبادرون غضب وكره, غضب نابع من الطفولة ومعاملتهم لبعض, ومعاملة الأب لهم, لكن ذلك يذوب في النهاية.
الحياة غير مستقرة لأي شخص باطنيًا, حتى ماجدة بقصصها وتكونيها الفريد. الحياة تحوي هزائم ومرارات, وهشة, ومن خلال تلك الحكايات البسيطة, يتمكن الكاتب من تحليل شخصياتهم نفسيًا وفلسفيًا بقدرة بليغة. قدرة تجعل من تلك الأحداث الصغيرة هي علامات لحياة هامشية للعديد من الناس, وتحليل ألمها وفرحها. القدرة على الدخول لأعماق الشخصيات, وأعماق المجتمع المصري من خلال حكايات بسيطة. حكايات شخصيات على الهامش, ومن خلالها لأعماق البيوت, وأعماق الحياة المصرية الحقيقية, تلك التي يعيشها الملايين. أغلب المصريين حياتهم عادية. يذهبون للعمل, ثم للبيت, وتنتهي الحياة, وفي المنتصف خلافات بسيطة ولقاءات, وكوب شاي يكمن في تقليبه عودة أو رمز لوجود الحياة كما حدث في الرواية. من هنا قادر عادل عصمت في نقل حالة نفسية فريدة يصعب وصفها.
في مشروع عادل عصمت في جميع رواياته, كان يمتلك قدرة سرد ودخول للأعماق النفسية بشكل مختلف. رواياته هادئة وحياة أبطالها مهما تعقدت هادئة. كل رواية لها زاوية, وهنا في حياة مستقرة تشعر بأنها نبع لرواياته التالية لها. تجد فيها باكورة فلسفته ونظرته للحياة, حتى النظرات الجانبية التي تطورت في الوصايا وحكايات يوسف تاردس مثلًا.
" وبدا لي من ذلك الوقت أنني خسرت كل شيء . في أعماقي كانت حريتي مقرونة بأن أنفذ حلمي ، ولكوني لم أستطع تنفيذه ، فما كان على سوى الرضوخ "
في تلك الرواية نجد الأمل والفشل في الحياة اليومية, وكي يتعزى الناس منه. كيف يمكن فقدان الشغف ومعنى كل شيء في الحياة, وعودته بمجرد حلم بسيط تفجر فجأة, أو علاقة عاطفية.
نجد ماجدة, تلك السيدة التي تخبطت بين التدين والعلم, والأهل, والتي بحثت عن عمل هاديء في مكتبة, لتعيش في هدوء وإستقرار, تريد هدوء ومجرد شخص تحكي له حكاياتها وفقط. ينهار كل شيء بحادث عبثي, وينتهي بزواجها من رجل غني, لتتغير شخصيتها لسيدة تبحث عن ابن لها, من زوج ضعيف جنسيًا.
ينتصر عادل عصمت لكل تلك الحكايات, ويبعث لنا شعور الأمل والفقد, والحب والكره, ويرينا الحياة المستقرة ظاهريًا للأغلب, والتي يمكن هزها وتفجيرها بحادث عابر بسيط, أو ذكرى قديمة قد تبدو عادية, لكن وقعها جلي, وكيف يمكن أن تستقر بشيء بسيط هو الأخر, وتكمن بساطة تلك الأحداث التي تحرك المياه الراقدة من بساطة أهلها, فلا أحدهم غني للغاية, ولا أحدهم معدم لدرجة الموت, ولا أحدهم يشغل منصب قوي, أو يعيش حياة مملوءة بأحداث عظيمة ثرية, أو خطيرة يمكن أن تلهس ورائها, بل هي حكايات بسيطة منسوجة ببراعة وهدوء, ونفس محب, ليشكل لنا رواية قادرة على نقل روح وطاقة حب لك ببساطة وفي كم قليل من الكلمات.
في تلك الرواية تشكل الحكايات مسيرة الراوي ومسيرة الجميع, الذين يسيرون في طريقهم للحفاظ على حياتهم وصيانة تعاستهم, وربما فرحهم أيضًا!
رواية رائعة من عادل عصمت, الذي يقع ككاتب لامع, يعيش في هدوء بعيدًا عن الصخب. يشبه في لمعانه كنجيب محفوظ, فعادل عصمت هو أحد نجوم جيله في الأدب المصري والعرب