عند نزولي من الأتوبيس بعد رحلة تدوم ثماني ساعات قضيتها وراء الزجاج وأمام الصحراء جمال شاردة تعبر طريق الاسفلت وامام مشهد إضاته ولغته الصامته كانتا اكثر طنينا من الحديث الذي دار بين فتاتين سيويتين جلستا امامي وتكلما عن طفولة أخرى ومشهد آخر إضاءته ما زالت طبيعية ومن حديث استمر طويلا بين شاب ملتح وىخر فرنسي حول الله والإيمان والإسلام ومن الحديث الذي دار بين قدمي وقد " روبيكا" الباردة ، والتى سأعرف اسمها فيما بعد والاعتذارات المتكررة بينهما وفي احد الاهتزازات القوية للأتوبيس ستنتقل قدمها تحتي مباشرة. وستبتسم وأنا أناولها الحذاء الفارغ وعلى باب الاتوبيس كان هناك الصبية وكل منهم يحمل إعلانا بالانجليزية باسم الفندق الذي يعمل به.
ولد علاء خالد فى الاسكندرية عام 1960 واتجه فى البداية إلى دراسة العلوم الطبيعية . بدأ طريقه الأدبى فى الثمانينات بعد دراسة للكيمياء الحيوية فى جامعة الاسكندرية . وانطلاقا من التناقض بين الشعور بالأمان والشعور بالغربة داخل ثقافته أخذ علاء خالد ينشر نقده لمجتمعه متمنيا المشاركة فى إنجاز وطن ثقافى جديد .بمجلة "أمكنة" أسس مجلة ثقافية تمثل استثناء، ليس فقط من خلال مقالاتها غير التقليدية، وإنما أيضا لأنها تقيم علاقة وثيقة بين النص والصورة. اشتهر علاء خالد بديوانه الأول الجسد عالق بمشيئة حبر 1990 . وفى هذه القصيدة النثرية الطويلة كشف المؤلف عن تجارب طفولته . وفى هذا الديوان يعرف علاء خالد كيف ينير - وبحساسية خاصة - أزمات الحياة بوصفها لحظات تجذر واقتلاع وكيف يربطها بصورة توضح وتبين الطريق إلى الاستقلالية الشخصية . ومن بين الأعمال النثرية التى صدرت له حتى الآن يمكن الاشارة بصورة خاصة إلى كتابه خطوط الضعف . فى هذه السردية يقيم علاء خالد علاقة بين عناصر أوتوبيوجرافية وبين لحظات تاريخية لواحة " سيوة " . فمن خلال المواجهة والمحاذاة بين الذاكرتين الشخصية والثقافية يتطور حوار بين المبدع وخط الزمن الذى تعكس الرحلة عبر الصحراء إبانه طريقة حياته
كانت أهمية الكتابة حتى أمتلك زمنًا خاصًّا، زمنًا عابرًا ليس هو الطفولة بالضبط، ولكن الطفولة أحد معابره، لكي أقف وراء نفسي الأولى، وأتحدث بصوت خفيض، إيحاء لازم لامتلاك شريط الحياة من أوله."
اؤمن أن على المرء أن يستمر بالكتابة، وعلى محاولات الجمال أن تظهر نفسها بشكل مستمر كنقيض للقبح، وعلى المرء أن يشارك عل جمالا ما يصيب قلب فقير فيحيا، وأننا نميل على كتف الأدب لنمرر الأيام فلابد من أن يكون هناك من يكتب لنحمل أعمارنا سويا.
"كنت أبحث عن غياب مادي للآخرين غير الموت، غياب مؤقت لم أعرف كم كان سيطول زمنه وكما تعمدت أن أتغافل عن الله لأرى الأرض، التي أتحرك عليها، والصباح دون ضوء سماوي، كنت لا أريد أن أحتمي في دفء لا أحتاجه، ولا لأحد أن يستثمر خوفي من أجل أن أحبه."
هناك أمور نتحاشى الحديث عنها، ونفشل عادة أن نلقي عليها ضوءا لنعرّفها أو نطلق عليها اسماءً، وربما هذا هو تحديدا عنوان الكتاب، فالأمور التي تمت مناقشتها نخبئها في هوامش ذاكرتنا ولا نطيل الافصاح عنها، ولكنه تكلم وكتب واطال الوقوف وهو أمر غاية في الصدق والتجلي. في زوايا الكتاب تحدث عن الفقد وضياع الروح والتناقضات الكثيرة، والهروب المستمر من كل شيء، تحدث عمن علق في ذاكرته من البشر والأشخاص والأحداث، بشفافية جميلة ولغة جزلة، فكان كصوت خفي يخبرك أن ما تشعر به مألوف ومفهوم وأننا جميعا نتشارك نفس الهاوية الرحبة التي تُسمى حياة.
"أي مسافة للبعد عن شيء ما هي أيضًا مسافة للخوف، خوف من نوع آخر، لنقل الصدام الوشيك إلى مكان جديد، سيتغير فيه الطرفان، لأستقبل ذاتي في مكان جديد وعبر وسائط جديدة. ماذا أفعل وهناك أشياء ما زالت تخيفني: الظلام، وتجسُّد الموت، وأن أفقد روحي في مجتمع لن يحافظ عليها، أو داخل إنسان أحبه؟"
أخذني الكاتب في رحلة من الإسكندرية إلي سيــوة التي طالما حلمت بزيارتها.. أبدع في وصفها و وصف أهلها و عاداتهم وتقاليدهم وتأثير طبيعة المكان عليهم وأحلامهم التي كان أقصاها أن يغادروا إلي مدينة ما .. تحدث عن كثير من الأشخاص من أهل الواحة أو من الوافدين إليها..عاش في كل منهم وودخل في ذاكرتهم وكأنهم يعلمهم منذ زمن بعيد..أعجبتني حكاية عم محمد وإخلاضه النادر لزوجة رحلت منذ أعوام ولازال يعيش علي ذكراها .. وكأن الكاتب يجد في هذا سلوي لها علي فقدان أبيه لم يعجبني دخول الكاتب في شخصيات كثيرة دون داع .. وطول كلامه عنهم .. مللت وربما توهت منه في بعض الأحيان..كان يبحث في كل شخصية عن خطوط الضعف ويبحث عن نفسه بينهم وكأنه يحاول أن يودع أشياء من الماضي لازالت تؤلمه أو يبحث عما يخفف عنه .. لا أدري !! (السفر يعلم كثيــرا) كان من الممكن أن يخرج الكتاب بشكل أفضل :)