أدب الرحلات بطبيعته شيق ماتع، فما بالك إذا كان الرحالة أديبا بقامة جمال الغيطاني. في هذا الكتاب الرائع يطوف بنا الغيطاني دولا متفرقة من عالمنا الواسع في نهاية الثمانينيات و بداية التسعينيات من القرن الماضي، فاتحا لنا بابا واسعا ندلف منه إلى حيوات أخرى راسما لنا بشاعريته و رهافة حسه لوحات مبهرة لحضارات أخرى وثقافات وفنون مغايرة لما ألفناه في مجتمعاتنا. قارئ هذا الكتاب لابد سيصل إلى نتيجة واحدة: لابد من احترام الآخر. الإنسان مهما كان وطنه أو دينه أو مظهره إنسان، والحضارة و الريادة لم تكن أبدا حكرا على شعب دون شعب، و لا غضاضة في أن نتعلم ممن علمناهم في يوم من الأيام، فالأيام دول، ويصل الغيطاني إلى انه "لا خطر طالما نمضي، الخطر كله إذا توقفنا". كما يلفت الأديب الكبير الانتباه إلى أن هناك أمم لا نهتم بها رغم عظمتها و أياديها البيضاء على الإنسانية جمعاء، كشعوب وسط آسيا التي يعرض لصور باهرة من حضارتها، والتي تعرضت إلى الظلم الفادح في كثير من الأحيان. ومما يثير الإعجاب أن الغيطاني لم يخف مواقفه الشخصية من بعض القضايا الشائكة، مثل قضية الحرب و السلام "ما معنى الاستشهاد؟ إذا كان قاتلي يطأ المكان الذي استشهدت فيه بحذائه و يجيء معززا مكرما"، كما انه لم يخف اعتزازه بالحضارة التي ينتمي إليها، حتى أن القارئ يشعر طوال الوقت أن هذا الرجل سافر بجسمه وعقله، لكن قلبه كان هناك..في القاهرة "كعادتي عند السفر، أتوقف قبل دخول الطائرة، أستدير للحظة مواجها الفراغ و الأرض و المباني، و العمق الذي لا يُرى، سواء في المكان أو الزمان، مودعا بكينونتي هذا المعنى اللامحدود الذي من أسمائه..الوطن". والكتاب غني بالمواقف الطريفة والعصيبة أيضا، كما أنه ينضح بالحكمة التي صاغها أديبنا ببلاغة مؤثرة، إقرأ معي: "الحياة فرصة نادرة و قصيرة جدا، و السؤال الذي اردده دائما لنفسي: لماذا لا نحاول أن نجعلها أجمل و أكثر احتمالا، لماذا لا تتوفر الشروط الإنسانية في حدها الأدنى". "تعمى البصائر الإنسانية عن فهم القيمة الحقيقية لإنسان ضحى من أجل الكل، ثم يفيق الضمير الإنساني و لكن بعد فوات الأوان". و أخيرا يخلص أديبنا إلى أنه "هكذا الحياة: إقلاع، وصول، ثم رحيل آخر". أتمنى أن يتمتع كل أحبابي بهذا العمل الجميل.
انتهيت من قراءة كتاب (الأسفار) بجزءيه أسفار المشتاق وأسفار الأسفار للأديب الكبير جمال الغيطاني. الكتاب مرهق بعدد صفحاته الـ 512 من القطع الكبير لكنه تجربة جميلة ومفيدة وممتعة. الكتاب من أدب الرحلات لكنه مختلف، إذ يغسله الكاتب بروحه ويجاذب القارئ أطراف الحديث فيحادثه في الكثير بما يعتمل في نفسه. في المغرب التي أسفر لها وحدها مائة صفحة، عشقتها وجميع مدنها التي كتب عنها فاس وأصيلة ومراكش وشفشاون والرباط. تاريخ الجهاد البحري، الموشحات الأندلسية، العمارة المغربية، حفلات الزفاف، المقاهي المغربية، وأحاسيس الكاتب المتفجرة وهو على شاطئ المحيط (بحر الظلمات كما كان يدعوه الأجداد).
في المكسيك يقدم جمال الغيطاني فلسفته وهو في الطائرة عن السبق بين الزمن والطائرة، واختلاف المواقيت بين مكان وآخر في صياغة جمالية، يأخذك معه في زيارة إلى أهرامات حضارة الأزتيك القديمة ثم يحدثك عن احساسه بوجود صلات غير معروفة بين العرب وأهالي البلاد ويستدل في ذلك عن رحلة أبناء عمومة أندلسيين كتب عنها في كتب التراث.
في ألمانيا الشرقية والغربية التي يزورهما في لحظة فارقة بعد سقوط الجدار يعرض مشاهداته المهمة جداً في هذه الأيام الحساسة ويقدم مقارنة حيادية بين المجتمعات الاشتراكية والرأسمالية مصحوبة بتحليل رائع قلما تجد مثله عن أسباب سقوط الاشتراكية، خاصة أنها صادرة عن كاتب اشتراكي بعكس المألوف المتوفر، معيدنا في ذلك إلى نقاشات حول جورباتشوف والبروستريكا خاصته وتأثيراتها على الجمهوريات الشيوعية. وهناك أيضاً زيارته لقناع نفرتيتي ووصفه ما انتابه من مشاعر أثناء وجوده في حضرة الملكة البعيدة عن أرضها.
في الإتحاد السوفيتي يتحدث عن المعمار والثقافة والفن مبدياً شغفه برقصات البلاليكا. بيوت تشيكوف وتولستوي ودستوفسكي التي زارها. في سويسرا يبدي إعجابه بالقطارات ودقتها ويحدثنا عن البنوك والفاسدين من بلدان العالم الثالث وثروات بلادهم المنهوبة والمكدسة في هذه البلاد.
في هولندا يهتم بالمتاحف الفنية، ويحدثنا عن تفسخ الحضارة الغربية ومشاهداته للعاهرات عرايا خلف فتارين. في البحرين هناك قصص عن ينابيع مياه عذبة تتفجر في مياه الخليج المالحة. في اليمن يصحبنا إلى القرى اليمنية الساحرة في بطن الجبل ثم زيارته إلى النصب التذكاري للجنود المصريين، ومقابر الشهداء المصريين، وحظوه بمقابلة السلال الذي يحدثه عن معاناة سجنه هو وزملائه في حفر تحت الأرض سنوات طوال، ويقص شيئاً من الأحاديث عن الإمامية في اليمن. يحدثنا الغيطاني عن ما لمسه من محبة اليمنيين للمصريين ولدور مصر في ثورتهم ويقول في ذلك: "والشعب اليمني متحضر، ذو تاريخ عريق، وربما كان هذا هو السبب في عدم وجود عقدة نقص إزاء مصر." ثم يضرب مثالاً ببلد عربي آخر قدمت له مصر الكثير فكان رد الفعل معاكساً متهجماً عليها وعلى شعبها وكأن الدعم المصري ذكرى بغيضة يجب التخلص منها بهذه الطريقة. وعن حرب اليمن ينهي مقاله "لقد كان قراراً تاريخياً عظيماً ورائعاً لكنني أرجو من أعماق قلبي ألا يتكرر في المستقبل!"
العناق بين الطفل الأندونيسي والطفل الإسرائيلي الذي بكى. وعلم السيدة الأمريكية الممهور بالتوقيعات والذي غاب عنه أطفال فلسطين. تونس. انجلترا التي افتقد فيها المقاهي، وفرنسا حيث المقاهي التي جلس عليها أباطرة الأدب والفلسفة والسياسة. ايطاليا الساحرة، وتركيا ذات المآذن السامقة. البرتغال التي فشلت في محو ارثها الحضاري العربي مهما حاولت، وهنغاريا حيث مات سليمان القانوني غازياً، والمساجد التي ما عاد يصلي فيها أحد، والأخرى الكثيرة التي تحولت إلى كنائس. تركمانيا، وأوزبكستان، الجمهوريتان السوفيتيتان الإسلاميتان، الارث الحضاري الاسلامي في بلاد ما وراء النهر، قبر الإمام البخاري، وإعجاب أهل بلاد سمرقند بالغازي المتوحش تيمور لنك.
الأمر الوحيد الموحش في العمل تكرار بعض الحواديث وكثرة الاستطراد وذكر بعض الأحداث الغير هامة في المتتاليات. لكن بصفة عامة الكتاب شيق للغاية يحوي الكثير، أنصحكم جميعاً بقراءته. التقييم العام: علامة كاملة خمسة من خمسة.
لا أخفي حقدي على الغيطاني .. بل و كل المشهورين .. على تلك السهولة البالغة التي يستطيعون بها الانتقال بين الأمصار.. في حين أن أمثالي من عامة الشعب يعانون الأمرين حتى يستطيعوا الترحال إلى قطر واحد فقط! لكن لو كان الأمر بخصوص سهولة الانتقال لكان الأمر هينًا قليلًا.. لكن ما يزيد الطينة بلة هو كون رحلاتهم في أغلبها مجانية يدفع ثنمها الداعون إلى المؤتمر أو المنظمون للندوة... في حين أن الشاب المصري الأصيل يظل يدخر سنوات طوال من أجل رحلة رخيصة يتيمة.. الطريف أن تلك الندوات والمعارض نادرًا ما يكون لها أثر خارج نطاق المشاركين فيها... ولم أشعر مطلقًا ان هناك تأثيرًا لمنظمات مثل اتحاد الكتب العرب أو ما شابهها على أرض الواقع...
على أي حال .. بعيدًا عن الحقد... فالكتاب حلقة أخرى في سلسلة سيرة الغيطاني.. مجموعة من السرديات عن بضع رحلات قام بهاما بين الوطن العربي و الدول الأوروبية.. أبدأ بالجيد... كالعادة.. لغة الغيطاني المحببة لدي... هذا الخليط الفذ بين التراثية والحداثية.. هذا المزيج الذي لا يضاهيه أحد من المعاصرين.. الغيطاني في حديثه عن الرحلات لا يهتم كثيرًا بالمعلومات الجغرافية أو التاريخية.. أجل قد تتواجد.. لكنها لست بالهدف من الكتاب مثلما يفعل كتاب أدب رحلات آخرين (فتاة الفيروزية .. أتحدث عنك!) ... لكن الغيطاني يجعل القارئ يعيش التجربة الإنسانية.. يتخبر الحالة البشرية التي رآها في السفر.. يغول داخل مجاهل البشر الذين يقابلهم... وهذا نادر في أدب الرحلات.. .. أما السيء... فللأسف لا تزال لدي اعتراضات أخلاقية على الغيطاني... مدهش أن يحوى شخص تلك القدرة الإبداعية ولكن الناحية الأخلاقية لا تكون على نفس القدر.. ماذا أقصد بهذا الكلام؟ الغيطاني في الكتاب يظل ينتقد الحياة "المتفسخة" -على حد تعبيره- في أوروبا.. ويعتبرها مظهرًا من مظاهر الإنحلال.. فنجده يقول مثلًا: "على النواصي كنت أرى المدمنين..[...].. في أمستردام منطقة حمراء للدعارة والمخدرات.. [...]... صورة من مظاهر التفسخ الذي تصل إليه أي حضارة متقدمة في مراحل تطورها".. وفي فقرة أخرى يقول فيما معناها أنه عندما سمع عن رجل وإمرأة يعيشان سويًا لم يفهم كيف يعيشان سويًا وهما غير متزوجين... -للأسف لم أحتفظ بنص الفقرة تحديدًا-.. وأنا بالطبع لا أعترض مطلقًا على تلك الكلمات التي يفوه بها الغيطاني... فهى كلمات عظيمة... مثلها مثل تلك الجملة التي تنضح "بنفحة" إيمانية ثابتة: "وكثيرًا ما استعدت هذه الآية.. (وما تدري نفس ماذا تكسب غدًا وما تدري نفس بأي أرض تموت).. [...] أتذكر هذه الآية فأهدأ .. حقًا لكل أجل كتاب"
اعتراضي هنا هو على كل تلك الحكايات التي رواها الغيطاني عن "غزواته" و" فتوحاته" (لفظًا وكنايةً!) الجنسية.. ولمن شاء فليرجع إلى سلسلة السيرة الجنسية المسماة "دفاتر التدوين".. وفيها نجد الغيطاني يخترق أي ثقب في طريقه -حرفيًا!- دون أدنى اعتبار أخلاقي فهل تلك الحرية الجنسية التي يمارسها الغيطاني مع شتى نساء الأرض مختلفة عن "التفسخ" الذي ينتقده الغيطاني في أوروبا؟ وماذا عن تناوله للخمور و تباهيه بمعرفته الجيدة بها؟ هل تلك الآية التي تجعله "يهدأ" و يقر عينًا لا تذكره أنه سيسأل يوم البعث عن مثل هذي الكبيرة؟ فعلًا لا أكره أكثر من أولئك المدعين .. ذوي الألف وجه.. الذين يدعون إلى شيء وهم أنفسهم أول من ينبذونه.. أو ينتقدون شيئًا وهم أنفسهم أول من يأتونه.. فعلًا لا أجد بشرًا أسوأ منهم....
أحب جمال الغيطاني لغويًا... لكن أخلاقيًا أحتقر أفكاره..
آه .. كدت أنسى... الغيطاني قال: "نلاحظ هنا الفرق بين الطرفين فلم يحدث أن قرأنا لا في مصادرنا ولا في مصادر الغرب عن كنسية تحولت إلى مسجد بعد الفتح" يبدو أن مصادر الغيطاني لا تحوى مسجد "الحاجة" صوفيا.. أو كنيسة "آيا" صوفيا كما هو اسمها الصحيح!
أول ما شوفته على الرصيف خطفته على طول انا باعشق ادب الرحلات ما بالك بأه مع الاستاذ جمال الغيطاني علمني حاجات جديدة مكنتش باهتم بيها أوي و علمني افكار و عن أماكن اتظلمت زي وسط اسيا فعلا هاتستمتع بيه لغاية اخر حرف
رحمة الله على أستاذنا الغيطاني.. عمق لا سبيل إلى جحوده في رؤية الظواهر الإنسانية المختلفة.. ولعه المعروف بفن العمارة باد هنا أيضا في كل سفرة حكاها.. المهم أنه يحتفظ للقص بدرجة عالية من الإثارة والتشويق في الإبانة عن التفاصيل.. وهو لا يخجل من تعريض نفسه لحمل تهمة الشوفينية حين يتحدث بإكبار عن وطنه وعن إسلامه وعن عروبته.. ولا يخجل من التصريح بأنه لا يفهم تماما فن الأوبرا ولا يتذوقه.. روح هادئة مطمئنة تلقت العالم في مزيج مدهش من الشوق والزهد.. رحمة الله عليه
يصحبك الغيطانى فى أسفاره ورحلاته (الكثيرة),لترى ما رآه,وتعلم ما قد علمه,والسفر بصحبة الغيطانى مختلف,لروعة وصفه ودقة تفاصيله,وعيناه التى ترى ما لا يراه غيره. الكتاب منقسم إلى جزئين ,الأول : أسفار المشتاق , وهو الجزء المفضل عندى, وفيه أسفار الغيطانى إلى العديد من الدول وعلى مراحل مختلفة وقد تكون متباعدة,ويصف من خلاله المكان والناس وعاداتهم وتقاليدهم ,ويربط ذلك بنبذات تاريخية غير مملة,واستمتعت كثيرا فى هذا الجزء بالمتواليات المغربية. أما الجزء الثانى : أسفار الأسفار ,فهو فى الغالب مواقف معينة قد حدثت للغيطانى خلال أسفاره. وللغيطانى إهتمام خاصا بالعمارة,ويظهر ذلك جليا عند وصفه للمبانى أو العلامات المعمارية المميزة للمكان,مما يزيد المتعة والفائدة. كتاب الأسفار من أمتع كتب الرحلات,وأنصح بقرائته.
أن تطوّف بأركان الدنيا شرقًا وغربًا، تحلق فوق الجبال وفوق المحيطات والبحار، ثم تعبر الوديان والسهول، وتقف أمام ما أبدعته الشعوب من آيات الفن متأملًا أدق التفاصيل، تحضر عُرسًا مغربيًا، وتتابع مصير طفل ألماني تائه، تعايش عادات وتقاليد مختلفة، وتسمع عن مبدعين وأعمالهم لم تعرفهم من قبل، و...و...و.... كل ذلك وأنت لم تفارق مقعدك مسافرًا عبر الورق في تحفة الغيطاني- رحمه الله - كتاب الأسفار بشقيه أسفار المشتاق وأسفار الأسفار، جمال الغيطاني عالمٌ وحده.
من امتع التي تتحدث عن السفر كفكرة و كشرح لالياته و طرقه الغيطاني سافر للمغرب فأخذنا معه و كذلك للمكسيك و باقي الدول التي تحدث عنها لغته جزلة جدا في هذا الكتاب