المسألة التي تشكل هاجس هذا الكتاب هي: كيف يندمج العرب في العصر الحديث ويكون لهم دور إيجابي فيه؟ البداية كما يرى المؤلف، تكون على مستوى الثقافة وذلك من خلال نسق مختلف للمعرفة يستوعب الجديد ولا يرفض القديم من دون أن يغرق فيه أو يسجن نفسه داخله. والمسألة مطروحة على قطاعات النخبة العربية كلها كي تقدم رؤاها وفق نظرة منفتحة وغير أسيرة، فالنخبة حين توازن بين الحلم والواقع، وتنتج الأمل انطلاقاً من الألم، تكون جديرة بمسؤولية شق الطريق المرجو إلى الخلاص العام.
الدكتور تركي حمد تركي الحمد البريدي ، المعروف بتركي الحمد والمولود في 10 مارس 1952 في مزار الكرك بالأردن لأسرة سعودية تنتمي إلى القصيم من جماعة التجَّار الرَّحل المعروفين بـ العقيلات، هو كاتب وروائي سعودي، وأحد رموز ما يصطلح على تسميته بالتيار الليبرالي في المملكة العربية السعودية.
حياته حاصل على درجة الدكتوراه في النظرية السياسية من جامعة جنوب كاليفورنيا عام 1985 . حاصل على الماجستير من جامعة كلورادو الحكومية عام 1979 . عمل أستاذا للعلوم السياسية في كلية العلوم الإدارية بجامعة الملك سعود بين عامي 1985 – 1995 ، ثم تقاعد . وقد عاش تركي الحمد مرحلة شبابه ومراهقته في الستينات والسبعينات الميلادية بالدمام ، وهي المرحلة التي عاش فيها العالم العربي تحولات فكرية وسياسية متضاربة ، وأحزاب قومية متناقضة من القومية والناصرية والبعثية ... إلى الاشتراكية والشيوعية وغيرها من الأحزاب .
ألقي القبض عليه وهو في السنة الأولى الجامعية في جامعة الملك سعود ( الرياض سابقاً ) وذلك بعد كشف التنظيم ، وبقي في السجن مايقرب من سنتين وبعد الإفراج عنه سافر إلى أمريكا للدراسة .
وله خمسة أبناء ثلاثة أولاد هم نضال، وقد ولد عام 1978 ، وهو متخرج من جامعة الملك فهد للبترول والمعادن، وحمد المولود في 1984 وهو خريج جامعة الملك فيصل، وأصغرهم محمد المولود عام 1995 ، بالإضافة إلى ابنتين.
كانت بداياته كاتباً في جريدة الرياض وثم انتقل إلى كاتب في جريدة الشرق الأوسط منذ عام 1990
مسيرته مع الكتابة تعتبر ثلاثية تركي الحمد الموسومة أطياف الأزقة المهجورة، والتي تتكون من ثلاث روايات، صدرت أولها عام 1995، أشهر ما كتبه الحمد. وقد أثارت هذه الثلاثية كثيرا من الجدل، نتيجة لتعرضها إلى موضوعات حساسة في المجتمع السعودي كالدين والجنس والسياسة. وقد بلغ من الجدل المثار حوله أن أصدر عدد من المحسوبين على التيار الديني في المملكة العربية السعودية ثلاثة فتاوى بتكفير الكاتب وإهدار دمه بسبب تعرضه لما يصفونه بأنه من ثوابت الشريعة.
لكن، وإن كانت تلك الثلاثة أولى أعمال الكاتب الروائية، فإن هذا العمل قد سبقته عدة كتب. ففي العام 1986 صدر للكاتب كتاب الحركات الثورية المقارنة، تلا ذلك كتاب دراسات أيديولوجية في الحالة العربية (1992)، و كتاب الثقافة العربية أمام تحديات التغيير (1993)، ثم كتاب عن الإنسان أتحدث (1995). وبعد الثلاثية، أصدر الكاتب كتاب الثقافة العربية في عصر العولمة، ثم عاد إلى الكتابة الروائية، مصدرا روايتين هما شرق الوادي ثم جروح الذاكرة.
بعد ذلك، أصدر الكاتب عملين غير روائيين، هما على التوالي: ويب
كتاب صغير, انتهيت منه في جلسة واحدة (أظن بأنه أول كتاب أنهيه في جلسة واحدة).
تناول الكتاب الثقافة كتعريف, وعن أي ثقافة يتحدث؟ إلى أي مدى من التجريد أو التفصيل؟ ومن ثم ذكر خصائص الثقافة العربية؟ ما علاقة الثقافة العربية بالعالمية؟ ماهي علاقة الثقافة العربية بالسلوك السياسي العربي؟ الحالة الثقافية العربية ومن ثم ختم كتابه بالدعوة لثقافة عربية جديدة.
ماشدني في الكتاب:
ذكر تركي الحمد هذه الخصائص على أنها الخصائص العامة للثقافة العربية: - ماضوية في مقابل المستقبلية - أسطورية في مقابل الواقعية - أحادية في مقابل التعددية - رغبوية في مقابل التاريخية
وماشدني في هذه الخصائص هو أنه لم يقارن بها أي ثقافة أخرى. كما أنه لم يجاوب على أسئلة طبيعية مثل إلى أي مدى قد تكون الثقافة العربية ماضوية؟ ولماذا هي ماضوية؟ مجرد ذكر الخاصية ومثال عليها لايكفي بوجهة نظري على الأقل. أتمنى أن لايساء فهمي, فأنا لا أنكر وجود هذه الخواص في الثقافة العربية, بل إنني أراها واضحة خاصة عندما نرى ما انطلقت به الحركات التي أثرت في المنطقة. إلا أنني أظن بأن هناك معايير وخواص يمكننا على الأقل مقارنة ثقافتنا العربية بالثقافات الأخرى بالإتجاه والإعتماد على نظريات كتلك التي ذكرها هؤلاء: Hafstuade or Hall وانا لا أنكر وجود عيوب في هذه النظريات إلا أنها عالمية على الأقل. في الخنام الكتاب لم يضف لي الكثير بكل صراحة, إلا أن مضمونه جيد.
جمل شدتني:
الحالة الثقافية العربية: خلاصات ونتائج ص٦٢ "إننا أمة, وكلي أسف وحزن على قول ذلك, أمة لاتنتمي إلى هذا العالم بل إلى عالم آخر ليس موجوداً هنا. والآن نحن نتحدث بلغة لا يفهمها العالم الذي يتكلم بلغة لا نفهمها نحن. ونلعب لعبة ذاتية بقوانين ذاتية بينما العالم يلعب لعبة أخرى بقوانين أخرى لا نفهمها نحن ولا نريد أن نفهمها. ومع ذلك نريد الفوز بها, فكيف يكون ذلك؟ - لست أدري - نحن أمة تنتمي إلى الماضي ذهنياً وتعيش في الحاضر مادياً, وتريد السيطرة على المستقبل أملاً وحلماً من دون أن تمتلك مفاتيح هذا المستقبل. كيف يكون ذلك؟ لست أدري."
نحو ثقافة عربية جديدة ص٦٥ "... فالنهضة هي الميلاد من جديد, وذلك يعني أنها كانت هناك ولادة سابقة من ناحية, كما أنها تعني أن هناك مولوداً جديداً يظهر إلى الوجود, وهذا المولود لكي يكون شرعياً لابد أن يكون له أب وأم يحمل سماتهما واسمهما, لكنه ليس هما في الوقت ذاته. إن النهضة, إذا شبهناها, هي مثل الوليد متصل بوالديه من ناحية السمات الوراثية, ولكنه منفصل منفصل عنهما بما يعني أنه ليس هما بل هم شخصيات مختلفة."
ص٦٦ كاملة وص٦٧ ص٦٨ ... ... "إن المطلوب سيطرة الحاضر على الماضي لا سيطرة الماضي على الحاضر. وفي ذلك يقول كاتب عربي: إن مهمة تمثل عناصر التقدمية وتطويرها التي يطالبنا بها بعض المثقفين العرب, هي مهمة أنجزت تاريخياً من قبل الأوروبيين. لذلك فالمطلوب منا ليس الانطلاق من مما انطلقت منه اوروبا الناهضة, لأن تكرار ذلك الموقف لا طائل من ورائه, بل يجب الانطلاق مما وصلت إليه أوروبا. فالفكر هو إنساني قبل أن يكون عرقياً أو قومياً."
ص٧٠ "من أجل الاندماج في العصر الحديث, ومن أجل أن يكون للعرب دور في هذا العالم وإيجابية معينة لابد ان يكون البداية على مستوى الثقافة, مستوى العقل, مستوى الخطاب, قبل أي شيء آخر. وذلك من خلال نسق جديد للمعرفة يستوعب الجديد ولا يرفض القديم ولكنه لا يغرق فيه أو يسجن نفسه فيه في الوقت ذاته. كيف يكون هذا النسق وكيف تكون محدداته وبناه مسألة لا أجيب عنها وحدي ولا أستطيع الإجابة. وليس لي حق الإجابة وحدي."
أعتذر إن كنت أفسدت عليك قراءة الكتاب بمراجعتي هذه.
قرأت هذا الكتاب بعد أن قرأت الثقافة العربية في عصر العولمة لنفس الكاتب فأحسست بأن الكاتب أراد الاستفاضة في معلوماته وبحثه فأصدر الكتاب الثاني. من أراد ملخصاً فليقرأ الثقافة العربية أمام تحديات التغيير، ومن أراد الاستزادة فعليه بالثقافة العربية في عصر العولمة.
وضع تركي الحمد في هذا الكتاب يده على مكامن الخلل في العقلية العربية ودورها السلبي في السباق العالمي إلى الريادة والنهضة، مر على تأليف هذا الكتاب مايقارب العقد من الزمان ومازلنا في المربع الأول نناقش نفس القضايا وتؤرقنا نفس الهموم !