" فيتأكَّدُ لي مع كلّ صباح أن فى هذه الحياة -رغم كل شيء- ما يستحق الحياة "
اتجهُ جنوبًا على الطريق من المنصورة إلى الزقازيق -مدينتي- , أنهيتُ الطنطورية للمرة الثانية , وفَّيتُ بوعد الذي قطعته لرُقيَّة -بعد قُرابة عامين- أن أعود قألقاها مرةً أخرى .
" يا طنطورية
بحرك عجايب..
ياريت ينوبنى
من الحب نايب..
تحدفنى موجة ..
على صدر موجة...
والبحر هوجة
والصيد مطايب.
أغسل هدومى
وأنشر همومى
على شمسه طالعة
وانا فيها دايب"
"يا طنطورية
يا حيفاوية
على سن باسم
على ضحكة
هاله
البحر شباك
ومشربيه ...
وانت الأميرة
ع الدنيا طاله. "
ما أبدع مشهد الختام ! , كم دمعة ترقرقت من العين عندما وقعتْ على سطوره ؟ , المسافرُ إلى جانبي نظر إليَّ و حسبني جُننتُ , شابٌ في منتصف عقده الثالث يبكي على الطريق ! , وماذا لو بكيتُ ؟ , وهل لدموع المشتاق رادعٍ أو مبررٍ ؟ , هي تفور في القلب و تنهمر من العين بلا سابق انذار ! .
" ألمس المفتاح ارفع الحبل عن رقبتى .اضعه حول رقبة الصغيرة .أُقبِّل جبينها .أُعطيها للرجل الطويل فيعيدها عبر السلك إلى حسن فتاخذها أمها منه . قلتُ بصوت عال :مفتاح دارنا يا حسن .هديتي إلى رُقيَّة الصغيرة "
رضوى , السيدة , خير يد نسوية خطَّت بقلم الأدب الروائي العربي , رضوى , الأستاذة الجامعية التي مازال طلابُها يضعون على مكتبها وردة يوميًا , رضوى , التي سكبت روحها في قلمها و خطتّها على الورق , نجحت في إبداع رائعة من روائع الأدب العربي قاطبةً و عامود من أعمدة أدب المقاومة خاصةً , رضوى , التي وإنْ فاتتها فلسطينية الجنسية بحكم المولد لم يفُتها فلسطينية الهوى و العشق بحكم الإختيار , و كم لأرض الزيتون من عُشاق! ! .
" هنا تتعثر الجملة ويرتبك الكلام لأنني لا أعرف كيف يمكن تلخيص ما عشناه في تلك السنوات . لا أعرف طريقة لنقل المعنى وأتساءل ما جدوى الدخول في التفاصيل . وليست التفاصيل تفاصيل . كل تفصيلة حكاية مئات البشر وربما الآلاف "
تصفُ السيدة حياة القرية الفلسطينية الوادعة في مرحلة ما قبل الإحتلال و تقاليد الفلسطين و فطرتهم , أفراحهم , أحزانهم , أعراسهم , الجاهة , علاقة الرحم , علاقة الجيرة , قرية دافئة حميمية إفتقدناها في عالم اليوم الرمادي .
" قولوا لإمُّه تِفْرَح وتتهنّا
ترُشّ الوسايِد بالعُطُر و الحِنّا
والفَرْح إلنا والعرسان تتهنّا
والدار داري والبيوت بيوتي
واحنا خطبنا يا عدِّوي موتي "
ثم الإحتلال و المجازر , المقاومة و الصمود , القتل و التهجير , التكاتف و الدفاع , ثم الشتات في أرض الله و البلدان .
" هل يمكن حكاية ما جرى في هذه الصفحات المعدودة؟ كيف يحتمل كتاب صغير أو كبير آلاف الجثث. قدر الدم. كم الأنقاض. الفزع. ركضُنا طلبا للحياة ونحن نتمنى الموت. "
رُقيَّة التي صارت صديقة لا كأيِّ صديقة , شخصية خيالية نعم , لكنها من الروح بمكانٍ مصون , رقية الطفلة , ثم المُهجَّرَة , ثم الزوجة , و الأم , و الجدة , رُقيَّة التي أَسَرَتْنَا و حكت لنا حكايتها و حكاية الطنطورة و فلسطين و صيدا و بيروت و لبنان .
" أتساءل: ما الذي تفعله امرأة تشعر انها بالصدفة، بالصدفة المحضة، بقيت على قيد الحياة؟
كيف تسلك في الدنيا إن كان وجودها، كل السنين و الشهور و الأيام و اللحظات الحلوة و المرة التي عاشتها، فضلَة حركة عشوائية لقدر غريب؟ كيف تسلك في الدنيا؟ "
ثم اجتياح لبنان الجنوبي , المجازر , الخيانات , القصف , الملاجئ , المخيمات , و عندما يصير الإنسان و دمه و حياته مجرد رقم .
" تعلمك الحرب أشياء كثيرة. أولها أن تُرهف السمع و تنتبه لتقدر الجهة التي يأتي منها إطلاق النيران، كأنما صار جسمك أذنًا كبيرة فيها بوصلة تحدد الجهة المعينة بين الجهات الأربع، أو الخمس، لأن السماء غدت جهة يأتيك منها أيضا الهلاك. "
ثم مسك الختام و مشهد اللُقيا على الحدود , و ناجي الصغير , و لوحاته , و رقية الصغيرة , و مفتاح الدار . باقون ما بقي الزعتر و الزيتون , ولو بأسلاك شائكة و احتلال , باقون , ولو هجَّروا ولو جزَّروا ولو غدروا و زوروا , ولكل ذهابٍ إياب و لكل روحةٍ غدوة و عودة .
" أغلب نساء المخيم يحملن مفاتيح دورهن تماماً كما كانت تفعل أمي. البعض كان يريه لي وهو يحكي عن القرية التي جاء منها. وأحياناً كنت ألمح طرف الحبل الذي يحيط بالرقبة وإن لم أر المفتاح, وأحياناً لا ألمحه ولا تشير إليه السيدة ولكنني أعرف أنه هناك, تحت الثوب. "
" رسوم ناجي العلي تُعرّفنا بأنفسنا .
وعندما نعرف نستطيع .
ربما لذلك اغتالوه ! "
لم و لن ننسى ..
" الذاكرة لا تقتُل . تؤلم ألمًا لا يُطاق , ربّما . ولكننا إذ نطيقه تتحوّل من دوامات تسحبنا إلى قاع الغرق إلى بحر نسبح فيه . نقطع المسافات . نحكمه و نُملي إرادتنا عليه . "
الله المُستعان .
تمت
٢٥ فبراير ٢٠١٧ م