تبدأ هذة الرواية من فترة الستينات الميلادية وتمتد إلى السبعينات في وسط محليّ بحت , حيث تتميز تلك الفترة بأنها مشحونه بالأفكار السياسية والتنظيمية التي كانت تسيطر على عقول شباب ذاك الوقت , يوم كان همّ الشباب الأول الوصول بالأمة إلى مراتب السلام والحرية , والبحث عن حلٍ ما لقتل تأنيب الضمير المستمر بشأن القضية الفلسطينية . الجميل في هذا النص أنه يقدم مرحلة زمنية غائبه عن عقول الكثيرين من شباب الوسط السعودي , حيث تعيش هذة المرحلة الزمنية خلف السراب .. بكل تفاصيلها وحقائقها المتجددة , فتأتي هذة الرواية لِتؤرخ تلك الفترة وتعيد تسجيلها على الورق , من خلال شخصيات محليّة تتميز بفكر واعي ومتفتح , بلغة سلسة ولطيفة يتمتع بها قلم "تركي الحمد" .
"هشام" من الكركترات التي على ما أعتقد ستبقى عالقة في ذهنيّ على الدوام , فتركيبته النفسية وأفكاره المتواردة مثيرة وحادة , ومحيطه الإجتماعي ملتهب وصاخب .. كذلك سيرته والأحداث التي صادفته على الطريق تركت في نفسيّ شيئاً من العنفوان والأثر , لا أعرف هناك شيء ما فاتن حوله , ربما لأنه شخصية غير تقليدية ولا تتكرر في وسطنا الإجتماعي خصوصاً في وقتنا الحالي بالذات , الأمر الذي يجعل شخصيته بالنسبة ليّ قريبة من القلب والعقل , كذلك عبق المدينة التي يعيش فيها والأحياء التي يتنقل بينها يجعل منه ومن هذا النص قريباً للعين وللمخيلة .
أحببت النقلة النوعية في أسلوب المعيشة والطبيعة الجغرافية التي بدأ "هشام" بإكتشافها بعدما إنتقل من الدمام إلى الرياض لإتمام دراسته الجامعية في "كلية العلوم السياسية" , كذلك الطبيعة التقليدية الموزعة على كل التفاصيل الموجودة في ذلك الوقت من الزمن . والطريقة البسيطة التي كان ينقل لنا فيها الكاتب الأحداث بأسلوب عفويّ وبسيط .. لدرجة أنه يغوص في عمق العادات المتبعة في تلك المرحلة الزمنية والتركيبات النفسية التقليدية لشخصيات الرواية , التي بدأت بالإنهمار بعدما دخل "هشام" لبيت خاله في الرياض وأستقر هناك . كل تلك التفاصيل كانت تجعلني مبهوراً بالنص , ببساطته , بقربه من مخيلة الشاب السعوديّ المعاصر , وكأن الأيام لم تغير إلا الشيء اليسير . ايضاً "المشاوير" التي كان يقطعها "هشام" متنقلاً بين شوارع الرياض , ومتأملاً لكل ما يعبره من مشاهد ومباني وأمكنة جديدة .
أعتقد أن "هشام" هو تجسيد مصغر لشخصية "تركي الحمد" في الواقع .. فما يعتقده ويؤمن به "هشام" هو في الحقيقة ذات الإعتقادات والنظريات التي يؤمن ويعتقد بها "تركي الحمد" , مما يجعل هذة الرواية بمثابة سيرة ذاتية مقتبسة ربما في بعض تفاصيلها إن لم يكن كلها من حياة "تركي الحمد" . طبعاً هي نظرية طرأت على باليّ تحتمل الصحة أو الخطأ .
لأن الرواية قادمة من ذلك الوقت الذي كان فيه "جمال عبدالناصر" حديث الساعه ومبرر لصنع الحرية والوحدة العربية .. تبدو الرواية مشحونة بألوان فكرية متعددة , يقدمها "تركي الحمد" في هذا النص من خلال شخصيات متعددة . السخرية الحقيقية هي في حديث "فهد" قائد التنظيم السري الذي جذب "هشام" تحت كنفه ليصبح أحد المنتسبين لهذا التنظيم , حيث يؤمن "فهد" كما هو الحال مع مجموعته السرية بأن "سياسة حزب البعث" هي سبيل الوصول إلى الحرية والوحدة العربية .. ويطرح "سوريا" كمثال حي في ذاك الوقت على منطقية كلامه , لكن المخزي والمؤسف أن "ناصر" لو كان موجوداً في وقتنا الحالي لرأى أن نظام البعث هو البلاء العظيم والمهلك الذي أودى بمصير شعب سوريا إلى الموت والنواح على الأرواح المفقودة والمغطاه بلون الدم .
لا أنكر أنه هناك بعض التجاوزات الغير مبرره في الرواية , والتي لا أعلم ما هي الفائدة المرجوه من ورائها .. لكن أعتقد أن "تركي الحمد" أراد أن ينقل كل التوجهات الفكرية والتخبطات التي كانت تعبث بعقول الشباب في ذاك الوقت , حتى يكون النص شفافاً ومؤثراً أكثر .
التغير الذي حصل لِـ "هشام" بعد إنضمامه للحزب , كان تغييراً ذا تأثير عالي على رتم الرواية والأحداث , وهو ما يريك كيف لمثل هذة التنظيمات والتجمعات من أثر يعيد التركيبة النفسية للشخص حسب أهواء مديري هذة التنظيمات . الرواية في أجوائها ذكرتنيّ بعض الشيء بِرواية "شقة الحرية" لِغازي القصيبي في موضوع الحماس لخلق تغيير في المحيط العربي وبناء منظور جديد للتحرر من قيود الإستعمار والدولة . راق ليّ ايضاً تمكن "تركي الحمد" من التنقل بين فترتين زمنيتين في حياة "هشام" بكل سلاسة ومن دون خلق فوضى قد تربك القارئ .
التطورات التي حصلت في علاقة "هشام" بِـ "عدنان" بعد إنضمام "عدنان" للتنظيم كانت مثيرة وذات وقع قويّ على "هشام" , كذلك تغير شعور "هشام" تجاه الحزب والتنظيم بعد مرور وقت طويل على إنضمامه له .. مما دفعه للتفكير في تركه وجعله غير مبالي لما يصدر من زعماء الحزب من قرارات , بل على العكس بدأ يرى حجم التناقض الكبير بين حقيقة الحزب وصورته الخارجية .. كل تلك التداعيات زادت من عنصر التشويق والتفاعل في الرواية وجعلت النص يأخذ طابع صبغة سياسية خالصة .
أحببت فكرة القاموس البسيط الذي أوضح فيها الكاتب في نهاية الرواية معاني بعض الألفاظ المحلية التي جاء على ذكرها في سياق الرواية , الأمر الذي جعل من الرواية رواية محلية بحته في طريقة إرساء اللهجة النجدية في سياق الحوارات العديدة داخل صفحات الرواية .