أهمية هذا الكتاب في تقديري لا تنبع من كبر حجمه الذي قارب التسعمائة صفحة، ولا من مؤلفه القاضي الفاضل والمؤرخ الجليل طارق البشري، وإنما أهمية هذا الكتاب تنبع فقط من مضمونه وموضوعه الذي أعتقد أنه يمس صميم وجذور الأزمة والمشكلة التي يعاني منها المجتمع المصري منذ مطلع القرن العشرين وحتى اليوم. هذه المشكلة يمكن توصيفها وتعريفها بأزمة الهوية الجامعة للمصريين؛ هل هي الهوية القومية أم الهوية الدينية؟
في هذا الكتاب الضخم يحاول طارق البشري الإجابة على هذا السؤال بالتأكيد مرارا وتكرارا على نفي التناقض بين القومية والدين، واحتضان القومية للدين واستيعاب الدين للقومية، واستدل على ذلك بالعديد من المواقف التاريخية وبأقوال العديد من المفكرين الإسلاميين والقبط.
أكد الكتاب أيضا مرارا وتكرارا على أن قوى الاستبداد والاستعمار كانت هي التي تقف دائما وراء إثارة النزاعات الطائفية والنعرات العنصرية، لأنها هي المستفيد الأول والأوحد من الخلاف والخصام بين المسلمين والأقباط، لأن هذا هو أحد أهم السبل التي تضمن للمستبد أو المستعمر بقاء واستمرار بسط نفوذه وسطوته وسيطرته على مقاليد المجتمع المصري. وهذا ما جاء نصا في فصل "السياسة البريطانية والتفرقة الطائفية" صـ 145:
"واصطناع الخلافات الطائفية أمر لازم لتأكيد سلطة الحكم الاستبدادي وتسويغ وجوده، إذ يظهر هذا النوع من الحكومات بمظهر الحَكم والفيصل بين جماعات شعبية معادية أو غير متجانسة، ويسوّغ وجوده لدى كل منها بوصف أنه الحارس لها الكفيل بسلامتها من جور الجماعات الأخرى".
في ختام الكتاب يقول طارق البشري هذه الكلمات التي تستحق أن تكتب بمداد من ذهب وأن تعلق في كل بيت وكل مسجد وكل كنيسة:
{لا يضمن أحد لأحد في هذا البلد شيئا، إلا حقه في المساواة السياسية والاجتماعية، وإلا حقه في المشاركة، وإلا المودة والرحم. أما حجم الإشباع الحسي للحاجيات أو الترفيات، ونوع نماذج العيش والحياة، ونظم الحكم نفسها، فلا ضمان، والطريق شاق وطويل. وكل ما وراء المساواة والمشاركة لا يملك أحد أن يضمنه لأخيه ولا لنفسه. وليس من عاصم إلا الانتماء وإنكار الذات. كيف يتأتى ذلك بغير إسلامية المسلم وقبطية القبطي معا، يتوحدان مندمجين في وطن واحد على أرض واحدة؟!
إن المساواة تعني الاتحاد، وهي تتضمن المشاركة. وهما من أوضاع المواطنة. وتقرير المساواة حل دستوري، وهي في الوقت نفسه تحتاج إلى نشاط فكري على أسس وطنية وقومية جامعة في إطار الأهداف العليا للمجتمع، في تصديه لأعدائه وفي تحقيقه لنهضته. فضلا عن إحياء العلاقات التاريخية الصحية بين ذوي الأديان في إطار المواطنة. والتاريخ القبطي يمثل حقبة من التاريخ المصري الطويل القديم. وقد سبق العصر القبطي العصر الإسلامي، فلا يوجد ما يتنافى مع الإسلام في تقرير بطولات هذا العصر، وما كان فيه من رجال عظام مثل أثناسيوس، ومن حركات شعبية مجيدة هي مصدر فخار واعتزاز لمصر والمصريين.
ونحن في هذا كله لا نبني شيئا جديدا، ولا ننشئه من العدم، إنما نكمل بناء قائما ونسير على أسس خطها أسلاف لنا من قبل، وفي طريق عبّدوه قبلنا، وليس إلا أن تجري الممارسة قُدما على منوالها. وجريان تحقيق الفكرة يغذيها ويسقيها ويحفظها من الضمور، وهي بذلك تنعش التطبيق وتؤازره. ونذكر قول الشيخ البنا أن الإسلام "أكسب هذه الوحدة صفة القداسة الدينية، بعد أن كانت تستمد قوتها من نص مدني فقط"، وعلى الغالبية مراعاة هذا الجامع. كما أن على الأقلية الدينية مراعاة ما في الحضارة الإسلامية العربية من معنى يتعلق بقوميتهم، بمثل ما يرحب المسلمون بالتاريخ القبطي وما فيه من مجد وعزة. وعليهم مراعاة هذا الجامع أيضا وألا يسمحوا لأفراد بتجاوز إطار الصالح العام للجماعة كلها.
لم تبن وحدة مصر في سنة 1919 بنفي الهلال أو الصليب. بل كان رمزها احتضان الهلال للصليب، كرمزين لاحتضان الغالبية الدينية للأقلية. ونحن لا نبحث عن صيغة فناء ولكن عن صيغة وجود. وجود حي قوي. وحسبنا على هذه البسيطة: المساواة والمشاركة في الوطن، والتواد والتحاب في العيش، والتزاور في الدور، والتجاور في القبور}.