تناول هذه الدراسة الرائدة فترة عصيبة من تاريخ مصر السياسي الحديث، فقد شهد النصف الأول من المدة بين عامي 1945 و 1958 حركة إحتجاج متصاعدة ضد النظام القديم، القائم على دستور 1923، بتناقضاته التي أفضت في النهاية لانهياره. غير أن القوى السياسية التي هدمته فشلت مع ذلك في أن تحل محله.. لتؤول السلطة إلى العسكريين الذين نجحوا عبر صراعات امتدت على مدى عامين في تأسيس الحكم المطلق والإطاحة بكل القوى المعارضة.وقد بنيت الدراسة على إستقصاء واسع لمصادر الفكر السياسي لمصر، وتشتمل على كتابات الحركة الشيوعية المصرية بمنظماتها المختلفة، وجماعة النهضة القومية، والمفكر الإقتصادي راشد البراوي الذي لعب دوراً مهماً في الصراعات الأيديولوجية في تلك الفترة، كما تشمل دراسة واسعة لمواقف كل من "روز اليوسف" و "المصري،" باعتبارهما بؤرتين للفكر العلماني الليبرالي واليساري آنذاك، وتتبع تطور هذا الفكر على مدى تلك الفترة.وتقدم هذه الدراسة من خلال تلك المصادر وغيرها خريطة واضحة لاتجاهات الفكر السياسي العلماني الحداثي في تلك الفترة وتطوراته، وتهتم بصفة خاصة بتتبع تناقض أساسي بين ميلين تنازعا جميع فصائله، هما الميل الديمقراطي، والميل السلطوي، ويبين الكتاب كيف أن الميل السلطوي الكامن بدرجات مختلفة في جميع إتجاهات الفكر السياسي الحداثي قد لعب دوراً مؤثراً في تحقيق إنتصار الحكم العسكري، لأنه يفسر تلك التحولات التدريجية من جانب الكتاب العلمانيين للإنحياز إلى الجانب السلطوي من الفكر السياسي الحداثي الراديكالي، وبالتالي الدور المهم الذي لعبوه في تزويد ذلك النظام بأيدولوجيا مناسبة.
في هذا الكتاب المتميز يدرس الباحث الهولندي رول ماير الفكر السياسي العلماني بشقيه الليبرالي واليساري في مصر في الفترة السابقة على 23 يوليو والتالية لها حتى 1958 يقدم رول ماير - ربما بدون قصد - رؤية تصور أفكار المثقفين العلمانيين المصريين في هذه الفترة كبندول يتحرك يمنة ويسارًا ولكن حول محور واحد هو السلطة في شكل الدولة الحديثة يحاول رول ماير أن يتجاوز هذا بتقسيمه لأفكار رواد "الحداثة"إلى مذهبي الحداثة الديمقراطية ومذهب الحداثة السلطوية يدرس جماعة النهضة القومية الليبرالية كأحد تجليات مذهب الحداثة الديمقراطي، لكنه يكشف في منتصف دراسته عن التوتر الأساسي في أفكار الجماعة الليبرالية، التي أرادت بناء مجتمع حديث على نمط "البرجوازية الغربية" لكنها أيقنت بأن عدم وجود أساس حقيقي لهذه الأفكار من داخل المجتمع ثقافي وإجتماعي واقتصادي سيتطلب دورًا أكبر للدولة وهذا يخالف التصور الليبرالي الأساسي لكنهم حاولوا تجاوز ذلك بالتأكيد على دور البرلمان كسلطة تشريعية منتخبة لكبح جماح تدخل الدولة متجاهلين أن البرلمان أساسًا جزء من سلطة الدولة في مقابل المجتمع الأهلي التقليدي. درس رول ماير أيضًا الظروف السياسية والإجتماعية التي أدت بكفر جيل شباب الثلاثينات بتجربة الوفد "الديمقراطية" وخطته لتحرير "مصر" عبر المفاوضات مع الإستعمار والتي أدت فيما بعد لظهور تنظيمات كمصر الفتاة والأحزاب الشيوعية والإخوان المسلمون، وفي حالة الإخوان يجب أن نضيف أسباب التحدي الحضاري للأمة. لكن أمتع فصول الكتاب بالنسبة لي هما الفصلين الخامس والسادس اللذين يصف فيهما الكاتب كيفية انضمام أصحاب مذهب الحداثة السلطوي تمامًا إلى جانب النظام وتوفيرهم الأساس الأيديولوجي لتحركاته الدولتية تجاهل الشيوعيون تمامًا دعوتهم السابقة للديمقراطية على أساس خيانة "البرجوازية الوطنية" لدورها التاريخي وتحالفوا مع النظام وتم توسيع سلطة الدولة على حساب "الديمقراطية"/ أليست الديمقراطية أساسًا ادخال للإنسان تحت سلطة الدولة. بازدياد التخلي عن النخب القديمة ومحاباة النخب الجديدة من الطبقة الوسطى التي حاباها النظام الناصري دومًا وتوسيع مساحة النخب التكنوقراطية على حساب النخب السياسية والعمل من خلال مصطلحات أيديولوجية جديدة كالتخطيط والتوجيه وما إلى ذلك من مرادفات الأيديولوجيات الشمولية الكتاب في المجمل جيد جدًا لإعتماده على كم هائل من الوثائق والكتابات الخاصة بتلك الفترة الى جانب القدرة التحليلية الجيدة للباحث واطلاعه على الأصول الفكرية الغربية لأفكار مثقفي هذه الفترة على أنه أنه يتجاهل دور الممارسات السلطوية الديكتاتورية للنظامين الملكي والناصري في توجيه مثقفي تلك الفترة فالإخوان المسلمون تم التخلص منهم، وتم اعتقال راشد البراوي في النهاية ولقي شهدي عطية حتفه في المعتقل عام 59 بعد تأييده للنظام في 56.
يُعد هذا الكتاب دراسة مهمة ترصد بشكل تفصيلي تطور الفكر السياسي المصري من ثورة 1919 حتى عام 1954، موضحًا كيف تشابكت خطابات الحداثة، والأصالة، والسلطوية فيما بينها، مما أدى في النهاية إلى اندلاع ثورة 23 يوليو. وقد امتازت هذه الثورة بترجيح خطاب الحداثة السلطوي، حيث يعرض الكتاب كيف عجزت القوى الاجتماعية عن منع تحلل النظام الليبرالي محدود الفاعلية، الذي كان قائمًا على الإقطاع، ولم ينجح في تحقيق نهضة حقيقية تشمل كافة الطبقات المجتمعية أو تحقيق الاستقلال الوطني الكامل عن الاستعمار. ونتيجة لهذا الضعف، ظهر خطابان جديدان: الأول هو الخطاب الأصولي الذي قادته جماعة الإخوان المسلمين، والثاني هو الخطاب الحداثي الديمقراطي، الذي انقسم بين التيارين اليساري والليبرالي.
يوضح الكتاب أن انتصار الضباط الأحرار كان مرتبطًا بهيمنة خطاب الحداثة السلطوي، الذي نادى بوجود "ديكتاتور عادل" ودولة فعالة، حتى لو تأخرت الديمقراطية. وقد ساهم مفكرون بارزون مثل أحمد حسن البراوي، وفتحي رضوان، ونور الدين طراف، وعبد المغني سعيد في إمداد النظام بأفكار وقيم تستند إلى هذا التصور، ساعين إلى تحقيق أهداف الحداثة والنهضة من خلال مؤسسات الدولة السلطوية.
كما يناقش الكتاب بإسهاب ممتع تطور الحركة اليسارية والحزب الشيوعي المصري، مع تركيز خاص على حركة "حدتو"، موضحًا كيف تميزت فكريًا وتباينت مواقفها تجاه ثورة 23 يوليو، خاصة فيما يتعلق بالسياسة الخارجية والإصلاح الزراعي. وفي النهاية، حلت هذه الحركات نفسها ذاتيًا من خلال الاندماج في الاتحاد الاشتراكي، مما كرس انتصار الاتجاه الحداثي السلطوي في مصر، وتخليها التام عن الديمقراطية وبرنامج "الحد الأقصى" كمطلب سياسي.
يتناول الكتاب أيضًا نقدًا للتصور الساذج لدى بعض أطياف المعارضة المصرية الحالية، التي ترى أن ضباط 1952 ظهروا فجأة من العدم، وقلبوا نظامًا ديمقراطيًا مثاليًا، وكأن مصر كانت تعيش في ظل ملكية دستورية نموذجية على غرار النرويج، يحكمها ملائكة. في المقابل، يوضح الكتاب أن ضباط 1952 كانوا في الواقع جزءًا من البرجوازية البيروقراطية التي سعت إلى تحقيق مشروع مصر الحداثي، بعد فشل النخب الليبرالية والإقطاع في التحول إلى التصنيع. لقد تسيد هؤلاء الضباط المشهد السياسي بعد صراعات فكرية وسياسية حقيقية خاضوها بأنفسهم، بدعم من مفكرين رأوا فيهم الخلاص من الأوضاع المتأزمة في مصر آنذاك.
الكتاب يدعو القارئ إلى تجاوز النظرة الاختزالية التي تصوّر السلطوية باعتبارها سمة متأصلة في النخب العسكرية فقط، مؤكدًا أن هذا الطرح يغفل الأبعاد التاريخية وتحليل المشهد السياسي والفكري المصري منذ ثورة أحمد عرابي وحتى حقبة الاستعمار، وما تلاها من تحولات جوهرية.
يُقدِّم هذا العمل خريطة للفكر السياسي العلماني في مصر منذ عشرينات القرن المنصرم مرورًا بالثلاثينات إلى بعد انقلاب ٢٣ يوليو بقليل، فالكتاب مُقسَّم إلى دراسة تطور الفكر الليبرالي وتطور الفكر اليساري " الشيوعي"، لكن هذه الخريطة- بتصوري- ليست مكتملة؛ فهي معنيَّة بدراسة تطور هذا الفكر سياسيًا من خلال ثنائية الفكر الليبرالي الديموقراطي والفكر الليبرالي السلطوي، ثم تدَافُع هذا الفكر بشقَّيه وصراعه مع الجماعات الأصولية مثل "الإخوان المسلمين" في تلك الفترة، فلم تكن نظرة الإدانة للإخوان هي نظرة أحادية من المفكرين الليبرالين بشقيه الديموقراطي والسلطوي، بل دخلت أيضًا الحركة الشيوعية في ذلك السجال الفكري والسلطوي مع الإخوان، وتم توصيفهم وفق الخطاب الشيوعي بأنهم حركة فاشية. وماير يؤكد أن ذلك الوصف لم يكن مسألة عابرة أو سطحية، إذ هو له تعلق بالرؤية الحداثية للحركة الشيوعية وموقفها من تداخل الدين في السياسة.
إن مما يمكن ملاحظته هنا في عرض ماير أن الشيء الكلي المشترك في تلك السجالات بين الطوائف الثلاث هو سعيهم لمحاولة الوصول لتوصيف دور السلطة في الدولة الحديثة، والأيديولوجيا التي يجب أن تتبناها النخبة، وعلاقة هذه النخبة بالجماهير، والكتاب يركز على الفترة الليبرالية ما بعد ثورة 1919 وما بعد الحرب العالمية الثانية وما بعد انقلاب الضباط الأحرار، فعند دراسته لمذهب الحداثة المبكر قام بالتركيز على كتابات سلامة موسى ومحمد حسين هيكل، وقد رأى أن الخطاب الحداثي القائم في تلك الفترة فشل في تحقيق ما أسماه بالانتقال إلى مجتمع أكثر عقلانية؛ بسبب إقصاء جماعات كبيرة من الجماهير، ثم يرصد ظهور بعد ذلك " جماعة النهضة القومية" كممثلة لمذهب الحداثة الديموقراطي، وكان أغلب هذه الجماعة على علم بالمناهج الغربية مثل " مريت بطرس غالي"، وقد اتخذت هذه الجماعة فكرة " البرلمان" كنموذج للحداثة، ومع ذلك يرصد ماير أن المشكلة ظلت قائمة وهي وقوعهم تحت سلطة الدولة، إذ البرلمان أحد أدواتها السلطوية، ويقوم الكتاب بتوصيف محاولة تلك الجماعة بأنها محاولة لتغيير المجتمع من الأعلى.
سيرصد ماير تطور نظرية التحديث الاشتراكي داخل خطاب الحداثة من خلال دراسة سيرة " راشد البراوي" الذي كان له التأثير الأكبر - بتصور ماير - في تطور الفكر السياسي في مصر في الفترة من 1945- 1955، وقد قام بصياغة مفهوم علماني غربي للتاريخ، وكان هذا مصاحب لنشاط الحركة الشيوعية التي وصفها ماير بكونها عاجزة عن التحول لحركة جماهيرية، بل سيصف ماير الشق السلطوي في الحركة الشيوعية بأنه سارع إلى أحضان الديكتاتورية، وهو الأمر الذي سيتكلم عنه أيضًا مع التجربة الليبرالية التي ارتمت في حضن الديكتاتورية الناصرية، وكانت لها الغلبة حتى نهاية العهد الناصري، لكن برغم أن الكتاب ومؤلفه تناول الحركة الشيوعية كحركة قومية مصرية إلا أنه لم يتكلم عن مدى الولاء الشيوعي للقومية القطرية، وكون الأممية الشيوعية لها السبق في الولاء عند الشيوعيين، على كل حال قام الشيوعيون بالوقوف مع الدولة ضد الديموقراطية، وقام راشد البراوي بتقديم البنية الأيديولوجية التي تأسس عليها الخطاب السلطوي الناصري.
إن الكتاب يتبني سردية مفادها أن فشل التجربة الليبرالية - وإن سادت كخطاب سلطوي- وفشل الحركات الشيوعية جماهيريًا، وفشل حزب الوفد في التخلي عن نخبويته= هو الذي أدى إلى ظهور فكر الأصالة في شكل جماعة الإخوان أو حزب مصر الفتاة بزعامة أحمد حسين، لكن يبدو الأمر أكبر من ذلك التحليل، إن تحليل ماير لذلك الظهور قائم على مادية محضة من فشل في عوامل اقتصادية أو سياسية، دون أن يحاول أن يقرأ ذلك الصعود من خلال المكون الهوياتي للأمة المصرية الذي كان قريب العهد من أفكار هوياتية إسلامية ونظام حكم له شرعية إسلامية وإن كان ظاهريًا فقط.
بالنهاية هذا الكتاب يمكن أن تضعه بكل أريحية ضمن خطة قراءة لفهم التطور الفكري في مصر الحديثة للجماعات الليبرالية والشيوعية من ناحية سياسية، فهو يقدم تفسيرًا لماذا هيمن الخطاب الليبرالي رغم أن خطاب الأصالة - وفق ماير- يُعد أنجح خطاب سياسي في مصر؛ وذلك عبر عملية تأسيس مذهب الحداثة السلطوي المؤمن بأنه لا يمكن تحقيق الأهداف الوطنية إلا بوسائل سلطوية، وتعزز هذا المفهوم عبر منابر النظام الإعلامية مثل روزاليوسف وغيرها، ويظل مجهود ماير في البحث والمراجعة مجهودًا مشكورًا، فقد اطلع على منشورات وكر��سات الحركة الشيوعية بدءًا من الأربعينات، واطلع على كتابات جماعة النهضة القومية؛ مما يجعل عمله هذا عملًا جديرًا بالاحترام.