كان “فتح الباري” حاضرًا في زمنٍ ضاقت فيه المساحة واتّسع فيه الداخل.
لم أكن أقرأه قراءة طالب علم، بل قراءة من يتكئ على السطر ليبقى متماسكًا، إذ لم يكن حولي مما يُؤنس غيره.
كنتُ إذا مرّ بي سندٌ ثلاثيّ، خفق في داخلي فرحٌ لا يشبه فرح القرّاء، متزامنا مع تكبير يسمعه .. لا يسمعه غيري؛ فرحٌ أزعم -يومها- أنه كان أشدّ من فرح الراوي وهو يحدّث وبينَه وبين النبي ﷺ ثلاثةُ رجال؛ لا لفضلٍ عندي، بل لأن اللحظة كانت أكبر من العلم، وأقرب إلى نجاةٍ خفيّة.
ومع تقدّم الصفحات بدأ التباطؤ؛ لا مللًا، بل خوفًا من النهاية. صرت أؤخّر التقليب، وأساوم نفسي على السطر، كأن بيني وبين آخر الكتاب شيئًا لا أريد مواجهته؛ لا لأن الكتاب سينتهي، بل لأن ما بعده مجهول.
وحين مرّ بخاطري قول ابن الجهم -والتي حفظت مقولته من كتاب صيانة الكتاب لذياب الغامدي في قراءة سابقة قبل هذه اللحظة بسنوات-: «فلو تراني وأنا أقرأ، وأخشى من تقليب الصفحات مخافة أن ينتهي الكتاب»
لم أقرأه بوصفه وصف قارئٍ مولع؛ بل اعتراف إنسانٍ وجد في الكتاب مقامًا، وخاف أن يفقده إذا انتهى. وقتئذٍ فقط فهمت أن بعض الكتب لا تُحب لعلمها فقط، بل لأنها كانت الشيء الوحيد الثابت حين كان الثبات -ثبات كل شيء- على المحك.