وفتح الباب فجأة وأدخل رجل ربعة متين البنيان، ومضى إلى السرير صامتاً وكان ثوبه ممزقاً، وشعره ظاهراً وغترته ساقطة، وجلس وهو يحدق في لحظة. سعدت بأن أحضر إلي إنسان ما، وانتظرته طويلاً كي يخرج من تحت عباءة الحذر والشك. غمرته بالأسئلة المعتادة فلا يجيب إلا بشظايا من كلمات. وهو ينظر لي بين لحظة وأخرى شزراً. -لم تقل ما اسمك ومن أي مكان.. -هل ذلك ضروري، ما نحن سوى زبد من البحر، ينتقل عبر العصور.. طيور خضراء تحمل بعض السماد في أرجلها.. -من أي مكان أنت؟ -من قرية، من خلفية المسرح المعتمة، ظهرت من بين أشباح النخيل ولداً شقياً أدمن الأسئلة.. -ما هو عملك؟ -أبحث عن الآثار، وأخبئها عن اللصوص ولدي كنز.. -يا رجل صرت أكثر غموضاً من الشعراء! -أنا شاعر يا هذا ومغموس بالتراب والطين.. كأني أعرفك يا رجل ولكني متوار عنك، لأنك لا ترى جيداً.. ويظل الرجل القروي منزو أو يحول الورق وعلب الصابون إلى لعب ودفاتر، وقطع شطرنج يروح يهزم نفسه مراراً. أيكون هو ذلك المختبئ عني وأنا وعلي البحراني نمضي إلى بيته وندق الباب فلا يفتح؟ ومرة يجر في الليل ويعود في الظهيرة دامياً، وجهه انتفخ بعشرين تل، وغدت فيه ممرات وأشعة. أضع قماشاً مبللاً على جراحه، أطعمه.. وهو ينظر إلي بحنان: -لا تتعب نفسك معي، جسدي محفوظ..
الروائي البحريني "عبد الله خليفة" بنى روايته «التماثيل» بحس فني متميز على جمالية التوازي بين الانكسار والانتصار؛ حيث انبنى الانكسار في رمزيته الراهنة على ضعف الهوية، وتراجع الحس الوطني، والارتكاس القيمي، والقلق الوجودي. بينما تأسس الانتصار على الادّعاء والنفوذ والانتهازية. من هنا تصير المفارقة بين فعلي الانتصار والانكسار إحدى الخصائص الجمالية للتخييل في رواية «التماثيل». بيد أن ذلك لا ينفي الامتدادات الرمزية للانتصار والانكسار داخل النص الروائي وفق بنية سببية، فيصير الانتصار نتيجة الانكسار أو العكس، مما يجعلهما عنصرين متلازمين تعبّر عنهما رمزيا بعض المعطيات النصية مثل الشخصيات؛ فيظهر "حسان" المنكسر، ويتجلى "ياسين" المنتصر: «كان هو [ياسين] يتقدم في المسرح المُضاء.. كنت في هوة الظلام» ، «ياسين شكلي الآخر، شبحي الواقف ورائي» . - رأي الشخصي : الرواية غريبة ، السرد و التفاصيل و الوصف يجعلك تشعر أنك معهم .. Insta : books.a27