يحلل الكتاب النصوص السلطانية، وينطلق من فرضية أن الكتابة السلطانية لم تتغير رغم مرور الحقب الزمنية وتغير الدول السلطانية، بل ظلت تحافظ على أسسها القارة، وسماتها البارزة. يدعم الكاتب فرضيته من خلال تحليله لنصوص سلطانية شتى، ويخلص إلى نتائج هامة تتعلق بالنظام السياسي العربي إسلامي، ومفهوم الرعية، وعلاقة الدين بالسلطة، والسلطة بالسلطان، والسلطان بالدولة...إلخ
يضع الكاتب في خاتمة كتابه ملاحظات مهمة حول الدولة العربية المعاصرة، ويتسائل إن مازالت دولة سلطانية، أم أنها تحولت إلى دولة عصرية.
يقدم هذا الكتاب دراسة تحليلية لبيان الوحدة الموضوعية للآداب السلطانية ، حيث أن هذا النوع من الأدب موجه للسلاطين وولاة العهد على شكل نصائح وقواعد سياسية تهدف إلى تثقيفهم سياسيًا ليتمكنوا من بسط سيطرتهم على الحكم وتثبيت أركان دولتهم .. فيبين هذا الكتاب كيف أن كتب الآداب السلطانية تتشابه في موضوعاتها وأن كل أديب سلطاني يأخذ ويتأثر ممن هو قبله ولذلك نرى هذه الوحدة المنشودة في هذا النوع من الأدب .. فيبين الترابط بينها في عناوينها ومقدماتها و موضوعاتها .. إلخ
هناك من وقف ضد منهجية الأدب السلطاني كونه يتخالف في بعض تفاصيله مع الروح الإسلامية .. منها إقرارها بمبدأ الطبقيات الذي يناقض المساواة الإسلامية وكذلك مبدأ انتهاز الفرص الذي يناقض أخلاق المروءة ومكارمها الإنسانية والإسلامية ، وأن هذا النوع من الكتابات ينقل كلمات متفرقة لحكماء فرس ولا يهتم بمبدأ التحقيق ولا يحمل البراهين ، وأنه نقل أشبه بالمواعظ لا يصل إليه تحقيق هدف ، وبجانب ذلك عدم ذكره للأسانيد وإهماله لها يميل إلى التقليد والنسخ من دون تحقق
كتاب جميل وعميق يناقش المؤلف عز الدين العلام البنية الخطابية للخطاب السلطاني السياسي عبر العصور في ستة فصول . يبحث هذا الكتاب في نوع من أنواع الفكر السياسي العربي الإسلامي، ونقصد به ما اصطلح على تسميته بـ"الآداب السلطانية"، وهي كتابات سياسية تزامن ظهورها الجنيني مع ما يدعوه الجميع، عن صواب أو خطأ، بـ"انقلاب الخلافة إلى الملك"، وتقوم في أساسها على مبدأ "نصيحة" أولي الأمر في تدبير شؤون سلطتهم، معتمدة تصورا عمليا للمجال السياسي، ومذوبة لكل تعارض محتمل بين الشرع والسلطان.
ولا شك في أن هذه الآداب السياسية التي عمرت ما يفوق عشرة القرون، وشكلت الجزء الأكبر من التراث السياسي العربي الإسلامي مقارنة بمثيلتها "الفقهية" و"الفلسفية"، ظلت إلى عهد قريب موضوعا مهملا، ومع ذلك شهدت الفترة الأخيرة ظهور تحقيقات لعدد من نصوصها وتعليقات على محتوياتها، وما الكتاب الذي بين أيدينا إلا قراءة خاصة لهذه الآداب تسعى إلى إبراز "الثوابت" المتحكمة في صياغة الخطاب السياسي السلطاني.
في برهنته على هذه "الثوابت" يتحدث المؤلف عن محددات الكتابة السلطانية بدراسته لـ"مورفولوجيتها" من خلال عناوينها ومقدماتها وفهارسها، وبتحليله لـ"تقنية" هذه الكتابة التي تكاد تجعل كاتبها أشبه بناسخ يسرق الكلمات إن لم نقل بامحائه تماما أمام "نوع" كتابته المحددة القواعد سلفا، ويوضح المؤلف من جهة أخرى "وحدة" الفكر السياسي السلطاني، بدراسته للمفاهيم المركزية التي يقوم عليها، والتي ظلت تتناسخ بالصورة نفسها والاستدلال ذاته. هكذا يبدو "السلطان" متفردا في شخصة وأول في مجلسه، ومستبدا بأمره، واستثنائيا في ظهوره. وترتسم لنا صورة عن "حاشيته"، بنفس الملامح والمقومات المتمثلة في جسدها المزدوج الجامع بين مخاطر صحبة السلطان، ودور الوسيط بينه وبين رعاياه. كما تطالعنا صورة "الرعية" كـ"موضوع" لـ"ذات" السلطان ومادة لسلوكه المتماوج بين الترغيب والترهيب.
وأخيرا، ألا يكون البحث في تراث مضى، ونحن نعيش حاضرا لا حديث فيه إلا عن المستقبل هدرا للجهود؟ ولكن، ألا يتطلب طي صفحات الماضي فتح الكتاب الذي يحويها؟ كل الوقائع اليوم تشي بضرورة تجاوز هذا النوع من التراث السياسي، نظريا باستيعاب مطلب الحداثة، وعمليا بمسايرة حركة التاريخ، وتحديدا بالانتقال من دولة السلطان إلى سلطان الدولة، ومن جمع الرعايا إلى مفرد المواطنة، ذاك هو السؤال الختامي الذي يقف الكتاب عند حدوده.