دراسة رائعة لمراحل تطور الأدب الألماني من بداياته العصور الوسطى وصولاً للعصر الحديث، إبحار ممتع في التجربة الألمانية أثرى معرفتي بالكثير من الأدباء الألمان، فتح شهيتي للأدب الألماني، خاصة المسرح والشعر
كتاب دسم، لا يكاد يصلح لغير المتخصص أو المشغوف رحب الصدر؛ لعل مقدمة الأستاذ عبد الغفار مكاوي الطويلة تكفي غير هذين، بل وقد تفيض عن الحاجة. أما صاحبتُنا فمحسوبةٌ على النوع الأول، مُصطنِعةٌ شِمال النوع الثاني، وذلك ما جعلها قارئتَه لا محالة، بيد أنها لم تسعد بشيء سعادتَها بانتهاء هذا الضيف الثقيل.
(الجزء التالي من المراجعة غير مفيد)
نعم، إن صاحِبتَنا في الجامعة تخصُّصُها علومُ الألمانية وآدابُها، ولا تزال تذكر سَنتها الأولى، وهي لا تميز ال"ß" من مُطْر الذُّرة، يوم أُلقِيَ بين يديها رَطْنٌ كثيرٌ ما كانت تفهم منه شيئًا، عنوانُه: "Literatur- und Kulturgeschichte" (تاريخ أدب وحضارة)، وجانبه ذلك الرقم المستفز (١)، يظل هنالك قائمًا ليُذَكِّرها أن العبث بها لمَّا يبدأ، وأن المَشَقَّةَ بعدُ تنتظرها ٣ فصول دراسية أخرى إن هي نَجَتْ هذا الفصل، وكُلِّف بالمادة من زادها عنتًا على عنت، وتقول له إنها لا تعرف المنصوب من المجرور، ولا تحسن إمضاء الأفعال، فيقول لها إن أهم ما تبنى عليه الفلسفة هو طرح السؤال، وإن الثقافة (Kultur, الكولتور) والحضارة (Zivilisation) متباينان، وإن الجِرمان كانوا قبائل متفرقة وثنية، ويعدد شيئًا من أسماء هذه القبائل وأماكن سكنها وعشرات التواريخ، وعن عاداتهم وعن العرافة وعن دخول المسيحية عليهم، ويعرض كذلك عشرات النماذج من الأعمال الأدبية وقتئذٍ، أسماءَها وتواريخَها وترجماتِها وأين وُجدت وأخبارَ مخطوطاتها، ويخوض في كل ذلك، ولم يكن ذا سبب تعاستها إطلاقًا، بل أن كل ذلك كان بالألمانية. :) وإن كان الأستاذ طه حسين قد دخل سجن لافونتين، فإن مريم المسكينة دخلت سجن الليتراتورجيششته (تاريخ الأدب)، وعلى كل هذا العناء جاهدت أيَّما جهاد، وأكلت المنهج أكلًا وخاصمت الوسن، واستهلكت من القهوة لترات، ولم تُبقِ المسكينةُ من المنهج إلا صفحة واحدة، على وجه الحقيقة لا المجاز، درسَت كل شيء إلا هذه الصفحة نظرت إليها شزرًا وحدَّثت نفسها: "دي؟ مستحيل تيجي"، وكانت الصفحة بيانًا لأسماء عصور الأدب الألماني وتواريخها، وقلبَتْ الصفحة تراجع حياة الجرمان وتحفظ أسماء معبوداتهم وأبطالهم، وحين جاء يوم الامتحان استبشرت وتهللت، وهي تحل السؤال بعد السؤال فلا تجد غير ما درسَت، ويجري القلم على تعثُّرٍ بين فقرة وأخرى يتساءل إن كانت "aus" جارَّةً أم ناصِبَةً، وقد لملمت الشتات، وأدت أداءً لا بأس به في كل حال، وها هي ذي تمد عينيها إلى آخر سؤال وقد امتلأت ثقة أنه لا يخرج عن دأب سابقيه، فإذا السؤال: اذكري أسماء عصور الأدب الألماني *كلها* مُؤرِّخةً إياها. :) وإن البائسة كتبت العصرين اللذين درستهما ذاك الفصل، وعصرًا أو اثنين لمحتهما وعلقا بذاكرتها، ثم ألَّفَتْ عصرًا أو اثنين تأليفًا ومضت.
ولم ينته عناؤها مع عصور الأدب إلى هذا الحد، فلا يكاد أستاذ يدخل المحاضرة ويستطرد أصغر استطراد إلا عرج على عصور الأدب الألماني وأعلامه، وإنا لعلى رؤوسنا الطير، فيضحك منا سخرًا أو يضرب كفًّا بكف، أو في أحسن حال يسأل وكله حسرة: "أولستم قد درستم ذلك؟!" فيجيب ثلثنا بالإيجاب، وثلث بالنفي، وثلث صامت خجلًا أو جهلًا. فما عاد من مفرٍّ أن أعتمد على نفسي، بانية على عبارة صادقة يستغلها بعض الأستاذة أسخف استغلال: "إن الجهد الأكبر عليكم"، ويتخذونها مبررًا لتقصيرهم في الشرح أو التنظيم أو جمع المادة العلمية، بل وأحيانًا غطاءً للجهل إما بالمادة نفسها، وإما بكيفية تدريسها ونقلها إلينا.
(انتهى الجزء غير المفيد، أرجو أن أكتب يومًا مراجعة لا أحكي فيها قصة حياتي)
لم أحب لغة الكتاب، ناهيك بالترجمة البشعة للنصوص الأدبية المُقتبسة فيه، ولا إخال ذلك أوَّلًا إلا لاعتيادي على لون أسلوبي مختلف زمنًا، فجاء هذا العمل ثقيلةً على القلب لُغَتُه، وجلستُ أتجرعه كما يتجرع الطفل دواءً لا بد منه، ولكني لم أرد سوى لغةٍ هي مزيج بين الجمال والرصانة، فيتم بمجموع ذلك وجودةِ الطرح الفائدةُ والإمتاعُ، وليس ذلك بممتنع، وهو ما لم أجد، بيد أني أعود إلى شيء من الإنصاف فأقول إن معاييري العالية لا تُلزم أحدًا، وإن الغالب على لغة الكتاب السلامة، على أني كنت قد اطلعتُ في أثناء دراستي على شيء من أصل الكتاب بالألمانية، وكنت أقرأ النص العربي حافِظَةً تفاصيل أصله، ولم أشعر في مواضع كثيرة من تلك وغيرها إلا أني أقرأ ترجمة آلية، وقد لا يحس هذا من يقرأ الترجمة مباشرة، وأحسب ذلك سببًا آخر من الأسباب التي أضاقت صدري بترجمة الكتاب.
هذا مثال على ترجمة النصوص البشعة (لا يلزم أن تكون الترجمة بشعة، قد يكون الأصل سخيفًا، أو قد أكون عاجزة عن إدراك قدره): "كان فول وفودان يمتطيان جواديهما في الغابة. فالتوت قدم مهرة بالدرز فقالت زندجوند (و) أختها سونا فقالت فيرا (و) أختها فولا فقال فودان ولا أحد يجيد هذا القول مثله مثلما انخلع العظم، ينخلع الد.م، ينخلع العضو كله! العظم فوق العظم، الدماء فوق الدماء العضو فوق العضو، كأنهم عادوا ملتصقين". 😖
النجمتان للمعلومات النافعة فيه، إذ الأدب الألماني لا يكاد يصيب حظًّا في نطاق العربية تأريخَا وترجمةً وتحليلًا ومقارنةً، خصوصًا حين ننظر إلى الجهد المبذول تجاه الآداب الروسية والفرنسية والإنجليزية.