مروان عبد العال، كاتب وروائي وفنان تشكيلي ومناضل سياسي فلسطيني. ولد عام 1957 في مخيم نهر البارد للاجئين الفلسطينيين شمال لبنان. نشر العديد من النصوص الأدبية والمقالات السياسية والفكرية. أقام عدة معارض تشكيلية. صدر له أربع روايات: سفر أيوب، دار كنعان، دمشق، 2002. زهرة الطين، دار الفارابي، بيروت، 2006. حاسة هاربة، دار الفارابي، بيروت، 2008. جفرا، دار الفارابي، بيروت، 2010.
إذا كانت مقولة هنري فيلدنج عام 1742 في وصف رواية (جوزيف أندروز) بأنها «قصيدة كوميدية ملحمية مكتوبة نثراً» ما تزال صالحة للتعبير عن البنية المنفلتة للرواية، فإنها صالحة أيضاً للحديث عن الحالة المراوغة الشديدة التلون، لرواية مروان عبد العال الأخيرة (حاسة هاربة) ماعدا طبعاً الحديث عن الكوميديا التي تفارق الرواية مفارقة قاسية محيلة إياها إلى نص عنيف مفعم بالبكاء والألم، لايخفف منه إلا نفحات الأمل الفينيقية (نسبة إلى طائر الفينيق الذي ينبثق من رماده كلما احترق) التي اختار الكاتب أن يبثها في ضلوع روايته. تأتي رواية مروان عبد العال الأخيرة (حاسة هاربة) بعد أن سبقتها (سفر أيوب) و (زهرة الطين) لتدل على تقدم أسلوبي ولغوي، بل لعلها قفزة أساسية في مسيرة الكاتب، وهي بالتأكيد رواية استئنائية في زمن استثنائي تحتل فيه تقارير الأخبار أوسع مساحة ممكنة من الوعي!! لا يندرج القول باستثنائية (حاسة هاربة) رواية مروان عبد العال الأخيرة، في باب المدح أو الذم، بل يأتي في سياق توصيف الرواية بما هي عليه، ارتباطاً ببنيتها اللغوية ودلالاتها ومنطقها السردي وبزمنها وكاتبها ومكانها.. ومروان عبد العال لا يقدم في (حاسة هاربة) رواية عادية، فباعتباره راوياً غير عادي، يقدم شهادة فنية راقية تحمل رسالة ذات بعد إنساني، وسياسي في آن معاً، ويقدمها فنان تشكيلي غارق في السياسة حتى الأذنين، بالسلوك والموقف، بل حتى بالأيدلوجية، يكتب روايته تحت الصدمة، الصدمة الشخصية المباشرة، لا المستعارة، أو التي يصاب بها الإنسان بعدوى الدراما ونشرات الأخبار! لذلك يكتب رواية عن حدث معاش، عاشه شخصياً كانسان ورب أسرة مسؤول عن عائلة وأطفال من جهة، وكقائد سياسي مسؤول عن مجموع الناس الذين يتولى الكلام نيابة عنهم، لذلك فان أقواله مراقبة، محسوبة وخاضعة للتقييم بمستويات شتى. تخرج الرواية من معطف كاتبها بالضرورة، على ما نذهب إليه، صحيح أن نقد الأدب وتحليله يجب - في حسابات المدارس النقدية التقليدية- أن يكون معزولاً تماماً عن هوية الكاتب وأفكاره الخاصة وسلوكه، ولكن ذلك في رؤى نقدية أخرى لا تقل أهمية، لايكاد يقارب الصحة، فلا يمكن بحال من الأحوال فصل أشعار لوركا عن الحرب الأهلية الاسبانية ومخازي الأفعال الفاشية، وإلا ما الذي يبرر قتله في نهاية المطاف، وهذا ينطبق على غسان كنفاني، بنفس القدر الذي تحار فيه في تفسير انتحار خليل حاوي وغيره من الأمثلة الكثير لعل آخرها التساؤل عن معنى الإحراق المتعمد لبيت كاتب (حاسة هاربة) ونهب مكتبته في نهر البارد بل إحراقها، في جريمة سجلت ضد مجهول؟! لذلك فعلى عكس المتوقع، بأن تكون رواية من هذا النوع، مجرد نص بكائي، مترع بالشجن والشكوى، فإن انبثاق (حاسة هاربة )على ما نذهب إليه من تجربة شعورية للكاتب، تعرض لها وعايشها، نفسياً ومادياً، إنما يضيف لها الكثير، متسلحاً بثقافته ورؤيته الفكرية معاً ليس فقط في ترجمة ما حدث له، وإخبار الآخرين به، بل أيضاً في طريقة التحليل والإخبار والصيغ التي يجد أنها الأنسب للحديث عما وقع فعلاً، في رمزية تحاكي الواقع الفج وتدخله ثم تخرج منه محافظة على رصانتها، دون تفريط بمستوى اللغة أو فنية الروي.
دلالة الزمن زمن الرواية، حاضر، معاش، متوتر، ومستمر، كأنه يحدث هنا والآن، بل نستطيع حذف هذه الـ(كأنه) فهو فعلا يحدث هنا والآن، فنقرأ الأفعال الماضية بصورة المضارع والذي يجدد نفسه باستمرار، حتى لو كانت عناوين مقاطع الرواية تبدأ بكلمة (ذات) التي تحيل إلى ماض ما، إلا أنها(ذات) مرتبطة جذرياً بحاسة منفلتة مازالت تنتظر الإعلان عن ادراكاتها، الخاصة في سياق زمن متحول شديد الانقلابية، غير قابل للمسك أو التحديد.. زمن الرواية المضارع، قد يشير إلى حرمانها من نعمة التأمل، والتقييم ولكن الوعي القوي المنبث في سطورها يجعلها رواية تأملية بقدر ما هي تسجيلية كتقرير طبي يشخص، ويقترح الحلول، ودائم التطور والنمو..
المكان نهر البارد، فلسطين المؤقتة، المخيم الذي كان هادئاً ومسالماً إلى حين، الساكن على بحر طرابلس، المخيم المحتل من عصابة مارقة، المدكوك بقنابل العسكر وصواريخهم وزخات رشاشاتهم، المخيم الذي سقط شهيداً وسط تقاطع النيران.. هل رواية (حاسة سادسة) هي من (روايات المخيم)؟ رواية أنتجها المخيم، أم رواية أنتجت عن المخيم؟ يرى بعض النقاد أن المخيم لا ينتج روايته الخاصة، حاله حال الريف، محكوم أبدا بأن يكتب عنه، يوصف يحلًّل، يتم تشريحه ببراعة، دوره مقتصر على (المفعول به)، ولعله من الصحيح أن (حاسة هاربة) هي رواية مكتوبة في هذا الإطار، عن المخيم (المستباح) في سياق لم يكن فاعلاً به، ولكن أليست بنية المخيم وعلاقاته الداخلية والخارجية، وسياق وجوده أصلا، هي كلها عناصر الفعل الحقيقي لكل ما حدث؟ وهل الروح الطارئة المتشحة بجلباب أسود، العابرة فوق الوسادة بسكين يقطر دماً والسارقة لتقاسيم الوجه (المخيم) الأصيل، هي فعلاً نبت شيطاني؟!«بلوة من السماء؟» ص39، أم أنها ابنة السياق ونتيجته؟ «قد تكون هذه الروح ضالة ولكنها جزء منا»ص54. بل ما هو (وجه المخيم الأصيل)؟ وإذا كان بهذه الأصالة فكيف تسللت هذه الروح الشيطانية بين ضلوعه؟ أين يكمن عقب أخيل في هذه المأساة؟ أظن جازماً أن الرواية تجيب عن هذه الأسئلة كلها مقاربة اللغز، لغز الضحية الفاعلة وأحجية الفاعل – المفعول به في تبادل دموي للأدوار. مكان الرواية إحالة مأساوية إلى حال الفلسطيني- اللاجئ، الذي يجهد في امتشاق وجه أصيل ما، في حلم مأساوي هو الآخر، بهدم المخيم – نعم- الذي كان يفترض أصلا أنه مؤقت، مجرد مرحلة عابرة قبل العودة إلى (الجنة) وإلا لماذا اسمه (مخيم) أصلا؟ ولكن الهدم يأتي في سياق مغاير تماماً، هدم يحيل إلى لحظة البناء الأولى عندما يكون البناء مرادفا للنكبة ووليداً لها ليستعيد اللاجئ لحظته الممزقة، عندما أقتلع أول مرة وقذف به في المجهول. ومن جديد ينطلق التساؤل المهين، الممض «لماذا أحرق بيتي؟ سهواً أم عمداً؟ [..] يا سيد الحريق .. لماذا صار كل البيت في حقيبة يد». تغوص الرواية في تاريخ التحول، تحول المخيم الذي اسمه حي النهر من مسرح لممارسات رقيب المخابرات «الأنيق صاحب الكرباج» إلى مسرح لطوابير الأولاد يمثلون دور الفدائيين ويغنون أغانيهم كأنما الحديث عن خيام غسان كنفاني التي «تفرق عن بعضها» صار الحي خندقاً والخندق سجناً والسجن مركزاً للثورة ومصدراً لانطلاقتها، قبل أن تختطفه الروح الشريرة فتحيله مسرحاً للموت المجاني «اختطفته رصاصة عاهرة، وهو يطعم عصافيره البريئة الجائعة، أسمع زقزقتها كأنها تناديه، ولم يخفه الموت، اقتحم الخطر كي يبقيها حية فصار ضحية جديدة ألحت علينا بالمغادرة».
الفكرة في الفصل الأول نتلمس الفاجعة، وعذابات الراوي، ومن يحكي عنهم، يضعنا الكاتب في الجو العام قبل أن ينقلنا في الفصل الثاني إلى جوهر المشكلة، راوياً اقتحام (الروح السوداء) لجسد المخيم واختطاف صورته.. قد لا تكون الفكرة ومحورها (الروح الطارئة السوداء) جديدة على الأدب عموماً، وكأننا نحكي هنا عن ( أمنا الغولة) التي استوطنت في خربة في طرف القرية، وبدأت تتصيد الأطفال اللاهين بعيداُ عن أهلهم اللاهين أيضاً، الذين يرفضون من حيث المبدأ وجود الغولة، ولا يقيمون لخطرها وزناً، ولكن (النداهة) تستمر في المناداة، ويستمر الأطفال في إتباعها ليضيعوا في لجة النهر، أم هو اليتم، وإحساس الفقد والعزلة الذي يدفع الأطفال المسحورين لإتباع ضبع مفترس ومناداته (استناني يابا) على حد زعم (الخرافية) الفلسطينية القديمة؟!! وكما قلنا يبقى النص أميناً لفكرته الأصلية ولكن بطريق مختلفة، فاتسام النص الروائي بوضوح الفكرة لا يمنعه من التعامل معها بمنطق الاستبعاد المقصود، فتتحول الرواية إلى محاكمة دون إعطاء أي صوت للجاني (الروح السوداء) التي تظهر فقط عبر ردود أفعال ضحاياها وحديثهم عنها وتصرفهم في مواجهتها. فهي على لسان الراوي نفسه «روح طارئة وغريبة»ص93، «الروح الغازية» في أكثر من مكان، في هذا السياق وتحت سمع وبصر الغولة، أو النداهة، أو الضبع، تتشعب الرواية لتحكي حكاية الناس المهمومين بسر وجودهم وعبثية الدوامة التي وجدوا أنفسهم في جوفها، يتمزقون بين محاولات التفسير أو النجاة بالنفس والآخرين، محتاطين بمزيج من ذكريات هي آخر ما تبقى لهم من زوادة الصمود والاستمرار. حكاية الفلسطيني المسكون بروح (اللاجئ)، ومن لجوء إلى لجوء، يصير الشعب اللاجئ مهاجراً «صرنا ذلك الشعب الخفيف، الطائر، هكذا أحسست وأنا أعبر نحو الجبل هروباً، شعب طائر.. ربما لأن الحلم التهمنا بين أنيابه فغدونا إشعاعا بنفسجياً يغطي عين الشمس»ص94، يصبح حريق المخيم استكمالاً لحريق القرية الأصلية، ونكبة نهر البارد استكمالاً لنكبة فلسطين، وبحث المرأة عن السرير في زمن ضاع فيه كل شيء، ليس سوى بحث عن أوراق (الطابو) المخفية فيه «كم كان يقتلني عندما عرفت أن بحث المرأة عن سرير بمثابة بحثها عن شرف أو كرامة وأمان»ص150،وتعيد الرواية قص حكاية النكبة قبل ستين سنة كأن الزمن يدور في حلقة مفرغة فيصبح البيت من جديد «في حقيبة» كأنها «دعوة للرحيل» والبحث عن ملجأ أخر حيث يضيق المكان بضيوفه العابرين، فيتذرع بروح طارئة سوداء، ليطردهم قبل أن يطردها!! وتصبح الروح الخبيثة عابرة للزمان في إحالة لفقدان البيت الأصلي والأمان «في أول سنوات النزوح من الوطن [...] سكن الجميع في الخيام إلا نحن.. في بيت مسكون..[..] كانت روح ساكنة البيت المهجور..عندما يبدأ الليل.. يبدأ قرع غريب على الحائط.. يرتفع رويداُ رويداُ كلما أقبلت العتمة»ص44. وتصبح الأسئلة أيضاً عابرة للزمان «من عكر مزاج الآخر نحن أم هو؟» ص44، «هل أنت شيطان عفريت؟ ملاك خير» ص44، وأيضاُ اقتراحات الأجوبة تصبح عابرة للزمن بدورها «هذا جن مسلم عصى ربه وصار شريراً أو ربما هو جن يهودي يلحق بنا بعد أن سيطر على القرية»ص44 هل هي «بلوة من السماء؟» ص39، كلام ذلك الرجل يصبح صحيحاً عن العذاب و(التعتير) الذي يستحقه اللاجئون!! هل جاءت (البلوة) بلا دعوة حقاً فهي «روح طارئة وغريبة تتوسل مأوىً» هل استولت على المأوى واختطفته؟ أم أن الأبواب أشرعت لها ودعيت للدخول؟. ولعل هذه الأسئلة ذاتها هي التي جعلت الضحية تنقسم على نفسها «من قال أنها روح غريبة؟ من سكن بيتنا فهو ليس غريباً ما غريب إلا الشيطان»ص 54، وإذا كان هذا كلام الشيخ الضرير صاحب اللحية فهو أيضاً كلام الشاب الأنيق صاحب البدلة وربطة العنق الأنيقة «قد تكون هذه الروح ضالة ولكنها جزء منا»ص54. تصبح الروح السوداء مستوطنة منذ القدم، ولم تكن طارئة ولم تكن غريبة وإنما هي ذلك الـ (هو) المتحين الفرصة، ليتصاعد من خبايا لا شعورنا ليفسد علينا ما ظنناه فرحة النضج وغواية الحكمة، مقاربة عنيفة لسخرية الواقع الذي يتجاوز الشعر..منذ حادثة التدخين الل��ينة واكتشاف الذنب وشتم الشيطان الذي أغوى النفس الضعيفة بسيجارة وقت الصوم «يا ابن الحي اللاجئ.. يا كافر.. ارم السيجارة.. العذاب والتعتير الذي أنتم فيه جزاؤكم لأنكم لا تعرفون ربكم فقد رماكم بلا وطن، كيف تفطر في رمضان الشهر الحرام»ص30، ليكتشف أن المعايير المزدوجة ليست فقط في السياسة وإنما في الدين أيضاً «رميت السيجارة ودستها بقدمي خجلا من صوت ذلك الجار القريب والغريب الذي لم أعرف أين يقف حتى رآني.. اعتقدت أنه ملاك أو شبح مختف.. استخدمت يدي لإزالة القصب من أمام عيني حتى فتحت فجوة في السياج.. وإذا بي أشاهد ذلك الرجل.. كان يعاشر حماره»ص31. في (البدوي الأحمر) يقول الماغوط «أيتها الملاحم الخالدة في الكتب والمكتبات.. أفسحي لي مكاناً لأنام بين قديمك»ص20، والواقع حول الكتب إلى سرير في الملجأ الأخير من قذائف الدبابات ورصاص القناصة «هي الآن أفترشها تحت جسدي.. وأستخدمها كمهجع عازل بين رطوبة الأرض وقساوتها ومسامات جلدي، ووسادتها مجلدات ضخمة عن النهضة العربية والمشروع التنموي والعقل العربي..»ص21، نعم فالمكتبة التي «جمعت كتبها برمش العين» لتكون عازلا للجهل صارت عازلة للرطوبة!!
شعرية الرواية وجمالية النص تنعكس فنية الرواية جلية في الأنساق التعبيرية الجديدة التي اتبعها الكاتب والبناء الأسلوبي المبتكر، في تتابع لغة المتكلم بين الـ (أنا) والـ (نحن) في انعكاس مكثف وتبادلي لانحلال التجربة الشخصية بالتجربة الإنسانية العامة، «صرنا ذلك الشعب الخفيف، الطائر، هكذا أحسست وأنا أعبر نحو الجبل هروباً، شعب طائر.. ربما لأن الحلم التهمنا بين أنيابه فغدونا إشعاعا بنفسجياً يغطي عين الشمس»ص94 . بألفاظ سهلة سلسة وقوية في سياقها الفني وإن بدت عادية في أفقها اللغوي العام، واستعارات استثنائية تحيل اللغة بستاناً من الأشجار المركبة التي تنتج ما اختلف من الثمار على غصن واحد: «الكلام بحجم الركام. في لحظة مشتهاة، لازدحام الموت والنار. نعتصر الحصار، كي ينزف الوقت، ساعات أكثر. تبقى لنا من الحياة. منازل الحي العتيق، استقالت منه جموع الناس المحشورة في علب محكمة بأغلفة العتمة، تحتجز الحلم داخله مثل كنز نادر أو خمر عتيق»ص9. لذلك تبدو الصورة الشعرية حاضرة بقوة ودون تنازل بغض النظر عن موضوع الحديث، سواء إذا كانت الداية (المرأة التي تولد النساء) «المرأة الداية، القابلة التي تدخل البيوت وتسحب رأس الوليد، وتأمر بغلي الماء، وتغسل الجسد الطري في إطلالته الأولى، كأنها تغسل القمر بماء المطر كي يزداد بريقاً»ص34، أو الروح السوداء «الروح الطارئة التي توشحت بجلباب أسود، وعبرت فوق وسادتنا بسكين تقطر دماً، وسرقت تقاسيم الوجه المخيمي الأصيل»ص39، أو قذيفة قاتلة «خلعت القذيفة قميصها الناري وغطت المساء بآلاف المسامير تتزاحم كالأسهم في الدخول إلى البيت، أو ربما لحقت أحلامك المحلقة في السماء»ص93. أو البيت الممزق بالقذائف. وفي هذا السياق يبدو واضحاً أن الكاتب التزم الأمانة في انتمائه لوسطه، باعتبار وسط الروائي هو اللغة التي ينتج فيها ومن خلالها، بل يتلاعب بمستوياتها قافزا من النثر إلى الشعر في مقطوعات موسيقية متراصفة، دون أن يفقد السيطرة على نصه، أو يضيع بوصلته المتجهة دائما إلى موضوعه، قضيته، التي يرافع في سبيلها في فضاء القارئ الصعب والمشاكس، الذي ينقله الراوي بين عواطف متناقضة ومتجددة من الخوف إلى الغضب إلى التعجب ثم الحزن، ليبقى التساؤل الدائم هو الأساس، ما يجعل ربما من الرواية رغم أجوائها الكارثية رواية أمل بامتياز:«هل نضحك أم نبكي؟ عندما يختلط الحنان بالرعب، والحلم بالكابوس كما يختلط الإحساس الدفين باحمرار الوجه وقشعريرة الجسد البارد»ص14. «الطريق مسيطر عليه برصاص القنص.سميناه:"ممر الموت".فالمكان الواجهة البحرية للحي العتيق في حارة النهر. هكذا هم يندفعون مفعمين بالرجولة، لإحضار ماء للشرب أو لقمة خبز، أو دواء من سيارة الإسعاف القادمة لإغاثتنا في لحظة هدنة اتفق أن تخرس لها البنادق لساعة فقط»ص12، في محاكمة النص استنادا إلى البنية السطحية للغة، لكان بالإمكان طبعاً بناء العبارات بشكل مختلف لكن الغوص في الدلالات العميقة لمعنى الكلمات يجعل النص مضطراً للالتزام بوقع معين على وتيرة موسيقية معاكسة، تهبط من أعلى سلم التوتر (ممر الموت) حيث القناص المسيطر على الطريق) مرورا بقرار الإنسان وتغلب قيمه (المخاطرة بالعبور لأجل الخبز أو الدواء) وصولا إلى تخفيف التوتر وتفريغه (الهدنة).وما كان النص ليتسق مع بنية الرواية عموماً لو عكس هذا السلم . ولنلاحظ أيضاً:«سمعت شخصاً من المجموعة قد حضر. سبقه وقع الخطى تنحدر على درج الحصن إلى أن وصل على وقع اللهاث يخفق في صدره حتى عجز عن النطق..»ص18 نحن واعين من جديد بأن العناصر هنا كان يمكن ترتيبها بشكل مختلف: سماع الشخص، وقع خطاه، والوصف أيضاً لكن ما كان لها إلا بهذا الشكل أن توصل جوهر العاطفة المطلوبة لتدعم المعاني التي ينشدها الكاتب وينشد وصولها إلى القارئ.
أخيراً لا أريد القول أن (حاسة هاربة) دليل جديد على انبثاق الفينيق من رماده، أو أنها تطمئن إلى أصالة الأدب الملتزم ودوامه ومصيره، واستمرار الحاجة إليه، بل أذهب إلى القول أنها مجرد دليل بسيط وشديد الإقناع على إنسانية الإنسان الفلسطيني وكينونة اللاجئ الذي ما زال يحلم بالعودة إلى الغبسية(بلد الكاتب الأصلية في فلسطين) أو إلى أي مكان طرد منه أول مرة، رواية تعلي الصوت بضرورة وجود حل، ضرورة مقاومة للغولة والضبع والنداهة والروح السوداء الطارئة والجنود، تعيد الاعتبار لإنسانية الإنسان بعد أن تناهشه الرصاص.
رواية شعرية أدبية بحته مليئة بالعبارات العذبة في وصف المشاعر و الذكريات في مراحل التهجير و اللجوء المتكرر و الأحلام اللتي ترافقه أو يرافقها في رحلته! ما أعجبني كثيراً أنها مؤثرة لكن ليست كئيبة ! و ليست نداء للقضية الفلسطينية! و ليست مسيسة !