أربع شخصيات من أجيال متباينة تستعيد مسارها، على خلفية أكثر من 50 سنة مرت على استقلال المغرب. وهذه الرواية هي نتيجة تجربة عاشها الشاب "الراجي" العاطل عن العمل، والذي كلفه أحد المؤرخين بتجميع آراء الناس حول مستقبل المغرب. وأثناء قيامه بمهمة "مساعد المؤرخ" انجذب الراجي إلى كتابة رواية تستوحي مسار ثلاث شخصيات: "توفيق الصادقي" المولود سنة 1931 والمحامي "فالح الحمزاوي" والدكتورة النفسانية "نبيهة سمعان" المولودة سنة 1956. ما بين فترة الحماية الفرنسية ونصف قرن من الاستقلال، تبدلت القيم، وامتزجت أسئلة الهوية بالتطلع إلى مجتمع العدالة والتحرر، فيما احتدم الصراع بين سلطة المخزن الماضوية، وتيار الحداثة المعوقة
إذا ذكرت جائزة نوبل للأدب و الكتاب العرب الأجدر بحيازتها فاسم الشاعر أدونيس هو أول ما يخطر بالبال. و من المستغرب ألا نفكر في كاتب مثل محمد برادة. مع كل عمل أقرأه لهذا الروائي أشعر بأنه لم ينل من الاعتراف ما يستحق. أعرف أن رواياته نالت، وتنال جوائز عديدة و النقاد يحتفون بأعماله كلما صدر الجديد منها. لكن ذلك لا يكفي. مثل هذا الكاتب يجب أن يحظى بما هو أكبر من ذلك. و مع كل رواية أقرأها له تترسخ لدي هذه القناعة. في "حيوات متجاورة" سحرني، و في "موت مختلف" جعلني أعشق أسلوبه الروائي، وبعد قراءة هذه الرواية التي تعتبر آخر أعماله جعلني متعصبا له. يغضبني أن لا ينال من الاحتفاء عند القراء ما يستحق، ألا يذكر كلما ذكر رواد الرواية و أعلامها. عندما تقرأ لبرادة تشعر أنك تقرأ أعمالا عظيمة، و أن كاتبها شخص خبير بالحياة الاجتماعية سبر أغوارها، و فهمها فهما عميقا. تلخص تجربة حياتية دامت لأكثر من 80 سنة. أليس الكاتب الذي يستطيع أن يلخص لك تاريخ 50 سنة لبلد كالمغرب، في رواية متوسطة الحجم كاتبا بارعا. 50 سنة هي الأعقد و الأصعب في تاريخ المغرب الحديث. لقد نجح برادة في تلخيص هذه السنوات من تاريخ المغرب بما فيها من تناقضات كتناقض عبارات العنوان(بعيدا#قريبا ضوضاء#سكات) عبر مجموعة من الشخصيات التي تختلف رؤاها و طبقاتها الاجتماعية.
توفيق الصادقي : محامي مغربي ولد في فترة الحماية لأسرة بورجوازية و عاش التقلبات التي عرفها المغرب قبل الحماية و بعدها.
فالح الحمزاوي: محام من أسرة متواضعة و مناضل يساري
و الدكتورة نبيهة سمعان: طبيبة نفسانية و امرأة متحررة. يجمع بين هذه الشخصيات محاورهم "الراجي".
عبر كل شخصية من هذه الشخصية نجد أنفسنا أمام تجارب مثيرة، و تطرح أسئلة مقلقة. و تحاول تجاوز صدمة الحداثة التي عرفها نخبة من المغاربة.
الرواية كانت في القائمة الطويلة لجائزة البوكر ولكن كيف لم تصل إلى القائمة القصيرة و لم تفز بالجائزة. سؤال يجعلنا نساءل كفاءة و مصداقية مثل هذه الجوائز.