..الحياة إما. تكون حياة جريئة أو أن تكون لاشيء، الفاخري كان يملك من جرأة ليتحدى المجتمع بأكمله، خلال سنة قمت بتجميع كتب لكُتَّاب الليبيون ، محاولة لإعطائهم فرصة، الى الان لايوجد أفضل من الفاخري ، لغته الفاخرة، أسلوبه في المقال فاخر حد البذخ ، القراءة له تجعلك تعتكف أمام كتبه..
لم يتغير شيء منذ أكثر من أربعين سنة.. لا تزال بنغازي مليئة بالمقابر، و مازال بائع الخضراوات يجلس أمام دكانه منتظراً الفرج، في الوقت الذي يمضي فيه العجوز ما تبقى من أيامه في القهوة.. يذكر رفاقه، و الصابري، و منارة سيدي اخريبيش... و مازال الكاتب خائفاً من البوح بمخاوفه و أحلامه.. كلمات الفاخري كالعادة تخترق القلب و تربت عليه.
التجربة مجرد جسر فحسب. جسر يعبره الرجال الواعرون باقدام حذرة لاستطلاع حقيقة الضفة الأخرى من النهر، إنها إدراك جانب مركز من الحياة تنطلق على أساسه لخلق عمل رائع مخصب لك.. وللأخرين. أما استثناء من ذلك، فهي ضياع متاهي مدمر، يقود على خط مستقيم إلى موت متثاقل الخطى، وغير نظيف على الاطلاق!
الحمدلله هذه المرة كانت قراءة موفقة لكتاب خليفة الفاخرى بشكل عام المقالات من امتع انواع النثر المفضلة عندي وقلم الفاخري ممتع وسخي في المقالة اكثر من القصة القصيرة لذلك كانت هذه التجربة موفقة اكثر من تجربة بيع المراكب للريح.
الكتاب عبارة عن مجموعة من المقالات للأستاذ خليفة ما بين عام 1966 و 1969 عن الحياة في ليبيا -بنغازي تحديدًا- ومن المؤلم أنّه لا يوجد فرق بعد 50 عامًا! وأنّ الحياة أصبحت أسوء كما تنبئت “المنجمة العجوز” في مقالة “نبوءة قديمة” عام 1968 وأنّ البلاد ستصبح غابة وسيقتل صاحب كلمة الحق لأنّه قال كلمتين صادقتين على الرّصيف مثل كلب ضليل ويأتي رجل من بعده في نفس القضية ويقول كلماته بشجاعة وجرأة ولكن الذئاب ستمزق جسده أمام بيته في اليوم التالي وتخرسون جميعًا! عن الشتاء في بلادنا والمعاناة خلاله، عن “انتظار الفرج” في المقاهي، ونقاشات صاحب البقّالة والإسكافي والجزار الّتي لا تجدي نفعًا عن المصلحة الفردية الّتي تغلب مصلحة الأغلبية
تألمت أثناء قراءته فالزمن يمر للأمام ونحن لسنا حتّى بواقفين في مكاننا بل نغوص في الطين للأسفل!
اقتباسات: - التجربة مجرد جسر فحسب .. جسر يعبره الرّجال الواعون بأقدام حذرة لاستطلاع حقيقة الضفة الأخرى من النّهر. إنّها إدراك جانب مركز من الحياة تنطلق على أساسه لخلق عمل رائع مُخصب لك وللآخرين. أمّا استثناء من ذلك فهي ضيع متاهى مدمّر، يقود على خط مستقيم إلى موت متثاقل الخُطى، وغير نظيف على الإطلاق! (التجربة صـ17)
- وإذا بدأت الشمس المتوهجة تحفر جبيني، ظلَّ قلبي قاحلًا تمامًا كحقل نسيته الغيمات الرّمادية منذُ زمن بعيد، وصدئ حُلمه بالمطر (مدينة بلا قمر صـ31)
- كُنتُ أحلمُ بالجنّة، ولكننّي حين استيقظت في الصّباح وجدتُ نفسي ميتًا .. ميتًا موتًا حقيقيًا لا شكّ فيه، بينما روائح الحلم مازالت تغمر أعماقي ، شعرتُ بالخلاص (الموت الكريه صـ122)
- نحنُ لم نستطع قط أن نقترب من بعضنا، لإيقاد شيء من الدفء، لأننّا لسنا سوى مخلوقات مُمتلئة بالشوك مثل القنافذ! (حكايات عن الرّجال صـ162)
- الدين أصبح في بلادنا مُجرد وظيفة، وظيفة مُحنطة يعتمد رجالها في الدرجة الأولى على مُرتب آخر الشهر (تذكرة إلى جهنّم صـ200)
- فمن يتذّكر الأطفال؟ لا أحد. إننّا نتركهم ينمون عبر الطرقات المُتربة، والخرب المُتعفنة، والمقابر مثل نباتات برية ليس غير، بينما نوالي أحاديثنا في غرور وبلاهة عن جيل الغد، والأيّام السّعيدة المُقبلة (رسالة صغيرة عن الأطفال صـ211)
التجربة الثانية مع سيد الإبداع: خليفة الفاخري كانت تجربة ممتعة لا تقل عن الأولى في أي شيء، والغريب شعور القارئ مع أعمال الفاخري بأنه بحاجة ضرورية لإعادة قراءتها مرة أخرى. مجموعة مقالات وقصص أقل ما يقال عنها أنها كتبت بيد عالم خبير في كل مجالات الحياة!