تتحدث بعض الحكايات عن فتاة جميلة حكمت عليها ساحرة شريرة بالنوم لمدة مائة سنة. فاستغرقت في سبات عميق وبقيت على هذه الحالة إلى أن أتى " فارس الأحلام" ذات يوم فانحنى عليها وقبلها فاستيقظت واستقبلت الحياة من جديد. يبدو لي أن المؤلفات القديمة توجد اليوم في وضعية شبيهة بوضعية الفتاة النائمة. فهناك من يحسبها ميتة فيبتعد منها ويمضي لا يلوي على شيء. وهناك ن يقترب منها على أطراف قديمه مخافة أن يوقظها، فيكتفي بتأملها. وهناك من يقترف منها بقرع الطبول فتستيقظ مذعورة ثم تعود توا إلى نوم أعمق من النوم الأول. وهناك أخيرا من يقترب منها بود وعطف فيلمسها بريق ويقاوم نزوعها إلى النوم بلطف، وعندما تفتح عينيها يأخذ بيدها ويساعدها على التكيف مع عالمها الجديد. لشك أن قارئي من هذا الصنف الأخير، ولاشك أنه سيفلح معي في إخراج مقامة الحريري من غيبوبة ذات عدة قرون.
Abdelfattah Kilito is a well known Moroccan writer. He was born in Rabat in 1945. He is the author of several books in Arabic and in French. He has also written articles for magazines like Poétique and Studia Islamica. Some of the awards Kilito has won are the Great Moroccan Award (1989), the Atlas Award (1996), the French Academy Award (le prix du Rayonnement de la langue française) (1996) and Sultan Al Owais Prize for Criticism and Literature Studies (2006).
هذا كتاب غير عادي، لرجل غير عادي، وبأسلوب غير عادي. هذا الكتاب لمن يريد أن يتعلم كيف يقرأ، وكيف يكتب، وكيف ينقد، وكيف يفهم نصا. هذا كتاب للكبار وللصغار، للمتخصصين، ولغير المتخصصين. لو كان بيدي الأمر لفرضته للدراسة على كل طلبة كليات الآداب واللغة العربية، وكل من تسول له نفسه يوما الإمساك بالقلم واقتراف جناية الكتابة.
عجيب...مدهش...ممتع. هل يمكن الاستغناء بهذه الكلمات الثلاثة عن أي تعليق آخر على الكتاب؟ أنا فعلا لا أتصور أي وصف تفصيلي أو عرض لمحتويات الكتاب، إنه عصي على الوصف بشكل لا يصدق. إنها المرة الأولى التي أقرأ فيها تحليلا ناقدا لنص أدبي، ورغم ذلك فأنا على يقين أنه تحليل غير تقليدي أبدا، حتى من غير الاطلاع على غيره. النص الذي يحلله كيليطو هنا هو المقامة الخامسة الكوفية للحريري، وهو يتتبع كل كلمة تقريبا في النص، ويستفيض في سبر دلالاتها وما تؤول إليه، فيتطرق إلى معان أدبية وبلاغية ودلالية لا أظن أن أحدا استطاع صياغتها بهذه الطريقة من قبل، لا أعرف كيف أصف هذا دون أن أخل ببراعته، لكن دعوني أستخدم وصفه هو شخصيا، إنه ينسج المعاني نسجا، فتراها تتداخل وتترابط معا لتصبح ثوبا فائق الجمال، لكنك مع ذلك لا تستطيع أن تفصل أنسجته عن بعضها البعض لتتبينها أو تشرحها لأحد، إنه فائق الجمال وفقط. ثمة عبارة صدر بها كيليطو كتابه لم أتبين دلالتها إلا بعد الانتهاء من الكتاب، إنه ينقل عن الجاحظ قوله: "فليعلم العاقل أن لفظه أقرب نسبا منه من ابنه، ولذلك تجد فتنة الرجل بشعره، وفتنته بكلامه وكتبه، فوق فتنته بجميع نعمته" . لقد أعدت قراءة العبارة وتأملتها وأعجبتني كثيرا، لكنني اكتشفت الآن فقط أنها هي خلاصة هذا الكتاب، إن أبا زيد السروجي والحارث بن همام بطلا هذه المقامة ومن وراءهما مؤلفها الحريري كلهم واقعون في هذه الفتنة، وهي الدافع الحقيقي لكل ما يحكونه ويروونه ويكتبونه، بل هي الحكمة الرئيسية في قصة المقامة نفسها من أولها لآخرها. نعم، فتنة الحكاية، فتنة السرد، فتنة القول، هذه الفتنة التي يفتتن بها المرء فوق فتنته بجميع نعمته. كما قلت لا أستطيع عرض الكتاب، لذلك سأكتفي بنقل بعض العبارات التي أعجبتني، ولعلها تلقي الضوء على معاني الكتاب الرئيسية وتعطي انطباعا عن محتواه:
*** العنوان ملئ بالوعود مثقل بالذكريات، إنه ينظر إلى جهتين متعارضتين، المستقبل والماضي، ما سيكون وما كان، فهو شوق إلى ما سيحدث وحنين إلى ما فات
*** العنوان المشرق يضيء الطريق الذي ستسلكه القراءة والطريق الذي سبق لها أن سلكته.
*** تنعت الحكايات في ألف ليلة وليلة بكونها عجيبة وغريبة، هذا النعت يبرر السرد، لأنه إذا لم تكن الحكاية عجيبة وغريبة فإنها لا تستحق أن يروى.
*** الكتابة مرتبطة بالتأجيل، بالإرجاء، بالغياب، على عكس القول الذي يستلزم القرب والحضور والمواجهة.
*** الكتابة تخلد النص، تحفظه وتصونه، ولكن سيان عندها أن يكون النص صادقا أو كاذبا، فليس في استطاعة النسخة أن تحكم على النص وتنبه إلى كذبه وتقول الكلمة الفصل في شأنه... النسخة صامتة خرساء وغارقة في اللامبالاة.
*** جل الذين تعرضوا، فيما مضى من الزمن، لمسألة السرد، تعرضوا في الوقت نفسه للعلاقة القائمة بين كلام المؤلف وكلام أشخاصه. وبعد، فإنه من متع الدنيا أن تقرأ لكاتب ذكي شغوف بما يكتب، ومتعمق فيه إلى أقصى حد، وقادر على خلق حديث لا ينقطع مع قارئه يهتم فيه بأسئلته وشكوكه ومخاوفه، وهو في كل ذلك يأتي بالأعاجيب، من متع الدنيا أن تقرأ لكيليطو.
ليت نقادنا الذين يزعجوننا بالنظريات والمصطلحات والسفسطة قرأوا الأدب كما قرأه هذا الرجل إنه نقد المتعة .. مع أنه بنيوي عتيد إلا انك لا تجد هذا التبجح بالمصطلح والخرط الفاضي ..
كيليطو مثال عظيم للقارئ الناقد الممتع الذي يغوص في النص ويفتح آفاقه باختراف ومتعة
كُتبُ عبد الفتاح كيليطو سلسة عذبة أشبه بدرس من أستاذ نقد حسن الشرح. هنا يشرح المقامة الكوقية من مقامات الحريري الذي أعتبره قد شب عن الطوق و راح يناجز الهمذاني. الحريري مدين للهمذاني و إن أنكر.... لأن مقامات الحريري مها بلغت من جودة الحبك تبقى اقتداءاً بمقامات الهمذاني التي هي بمنزلة الأصل. يقارن عبد الفتاح كيليطو بين أبي زيد السروجي و بين القمر و الليل و الضيف و الحية و يستحضر لذلك شواهد من جملتها قصة النبي إبراهيم(عليه و على نبينا السلام) و قرى الضيف ثم قصة سيدنا موسى (عليه و على نبينا السلام) و تخلي أمه عنه فترة ثم العصا و الحية. الجميل فيما يكتب كيليطو هو أنه يعيد العلاقة بين القارئ العربي و بين تراثه. ها خيرُ ما اقتبست: - الكلام عبارة عن سهام تنبعث من أقواس مختلفة. - منطق الكنية أن الإبن يمنح الحياة للأب بقدر ما يمنح الأب الحياة للإبن.
لكم كان صباحًا رائعًا صباح أمس! صباحٌ غمرني بالمقامات وأتحفني بها بدأت وانتهيت صباح الأمس بهذه الدراسة لكيليطو-الذي يبدو لي أنني سأصاب بالهوس به- أسلوبه ممتع حتى وإن كان في دراسة! تلك الدرجة التي وقف بمحاذاتها من العنق، أحبها، أحبها حقًا وآمل أن يصل فكري إليها حتى أقرأ ما وراء النصوص كما يفعل ربع عقل كيليطو! على الأقل.
شرعت فى قراءة الكتاب عقب انتهائى من المقامات وشعرت أني لم اقرأ المقامات فقد كان كيليطو غواصا يستخرج درر الحريري-الكتاب يحلل مقامة واحدة وهي المقامة الخامسة "الكوفية" .- ،بينما كنت أبحث عن البيان والألفاظ و اللغة الأدبية ،حتى هذا لم استفد منها حق الاستفادة أو حتى عشرها. هذا الكتاب جعلنى أقرر العودة لهذا الكتاب متفهما متدبرا باحثا عن كنوزه المخبأة- يسر الله ذلك قريبا-
المتعة التي تخلقها كتابات كيليطو لدى القارئ ينذر أن يخلقها كاتب آخر هذا الكتاب يجعل القاؤئ كيفما كان يقع في حب الأدب كما يقدم له زادا وعدة متكاملة لاستنباط ما استغلق واستعصى فهمه في النصوص قديمها وحديثها...
"فيما مضى، اعتبر الحريري وبلا منازع أكبر مؤلف عربي. نالت مقاماته أكبر قسط من التقدير والإعجاب فسهر الناس على شرحها وتفسيرها وترجمتها، ولمدة طويلة نظر إليها على أنها أهم إنجاز أدبي. لكن حدث ذات يوم ما لم يكن في الحسبان: تلاشت قيمتها فجأة وصارت شبه منبوذة.
يعود السبب ولا شك إلى عنصر خارجي، ذلك أن أفول الحريري تزامن مع اللقاء بالأدب الأوروبي وما نتج عنه من استشراف آفاق جديدة في الكتابة. ليس بالإمكان وضع تاريخ محدد لهذا التحول، لكن سنة 1855 قد تكون علامة دالة، فخلالها نشر اللبناني أحمد فارس الشدياق في باريس - وهذا شيء له دلالته ولا يجوز إغفاله - ، سيرة ذاتية بضمير الغائب. أعلن الش��ياق على الفور أن القارئ لن يجد في تصنيفه أسجاعا ومحسنات بديعية، وأضاف بلهجة متعالية أنه ما على المولعين بهذه الأمور إلا التوجه إلى مقامات الحريري.
هكذا وبعد ثمانية قرون من الرفعة والسمو ، شطب على الحريري بجرة قلم، تم نفيه وبرز إثر ذلك المطالبون بخلافته واحتلال مكانه.
من أجل فهم هذه الظاهرة، لنتساءل لحظة عن موضوع المقامات الحريرية. الغريب في الأمر أنها تتحدث عن الإغارة والسلب بشتى أنواعه، بدءا بإحالتها على فترة من مسلسل الحروب الصليبية. فبطل المقامات هو أبو زيد السروجي، نسبة إلى سروج، مدينة سورية احتلها الفرنج سنة 1100 ؛ نفى عنها فهام على وجهه، وديدنه خلال تنقلاته السعى جاهدا بفضل بلاغته وفصاحته، لتوفير أسباب عيشه. ولما انسحب العلوج من بلدته، عاد إليها وسخر نفسه بالكامل للذكر والعبادة.
وقع الحريري أيضا، تماما كبطله، ضحية حرب صليبية، وان كانت من نوع مختلف فقد سلبته أوروبا مكانته وجردته من امتیازه برزت قواعد جديدة، فإذا بالحريري يتحول منذئذ إلى بهلوان يجهد نفسه فى القيام بتمارين وألعاب لفظية معقدة وعبثية"
مثال ملموس على القراءة كما عبر عنها كيليطو كنقض لغزل المؤلف (الحريري هنا) المحكم وفك خيوطه خيطا خيطا والسير في الدروب التي قطعها واقتفاء آثاره ومحاولة التقاط الدلالات المتناثرة على الطريق لإشاراته وإعادة تركيب ذلك جميعه معا. القراءة هنا عمل جدي يلتزم صاحبه بقدر هائل من الصرامة بجانب ما يبذل من جهود هائلة للفهم لكنه كذلك من ناحية أخرى يدرك جيدا ما في طي محاولاته من لعب يتسم بالخفة اللازمة للنط والتقافز لئلا ينتهي به الحال منزلقا إلى فخاخ الادعاء والثقل والسماجة.
كيليطو قارئ ذكي وكاتب لطيف ولاعب ماهر مثله في ذلك وفي حيله وبراعاته كمثل أبي زيد السروجي المحتال الكبير وهذا أمر يحتاج تفصيل لكني ارجئه لوقت لاحق ريثما تنضج الفكرة وشواهدها في نفسي.
كتابة ذكية ممتعة كعادة كيليطو تعيد النظر للدرر الكامنة (كما عنون ابن حجر كتابه المشهور في التراجم) في تراثنا القديم والذي ظلم بكثير من الأحكام الجائرة التي صدت عما فيه من طلاوة وبهاء.
يقول إيمانويل كانط " لقد أيقظني هيوم من سباتي الدوغماطيقي"
أظن أن كيليطو هنا يوقظ كل مار به من جهتين أولا القارئ كيف تقرأ كتابا بكل ما تحمل كلمة تقرأ من معنى ممكن. في انسيابية بديعة و تحت مظلة خلفيتيه النقدية المذهلة بما تحمل من اتجاهات أدبية تفكيكية و غيرها.
ثانيا الكاتب يثبت كيليطو أن الإبداع ليس متاعا على قارعة الطريق في متناول كل عابر. يضع في أثناء تفكيكه لمقامة الحريري الكاتب أو من يتأهب لخطيئة الكتابة في مواجهة هذا النص الذي طواه النسيان أو يكاد. نص قد لا نمر عليه مرور الكرام حتى. لكنه - كيليطو - يخرج معدن هذا النص و يضعه في مكانه المتعالي حيث يكون. حتى يتهيأ للكاتب أن يرى كيف أن كل كلمة في السرد هي عالم بذاته و ليست رتوش خبط عشواء توضع فقط كي يستطيل السرد و يكتمل كتابا يباع و يشترى.
كتاب عجيب ويبعث على الدهشة! ما كل هذا الإبداع يا كيليطو في تحليل المقامة الخامسة الكوفية للحريري! يجدر بكيليطو أن يجمع تحليلاته عن مقامات الحريري وغيرها من المقامات ويودعها كتاباً يعنونه ب"إحياء فن المقامات" على غرار الإمام الغزالي في كتابه إحياء علوم الدين. عنوان كتاب كيليطو هذا الذي نحن بصدده مراجعته هو "الغائب" ويا للمفارقة، فهذا الحريري الغائب رجع هو والحارث بن همام وأبو زيد السروجي إلى الحياة مرة أخرى من خلال سرد كيليطو وتحليلاته. سرد كيليطو لا يجابهه أي سرد آخر، فهو حلو عذب كالنهر الجاري، يجرفك معه بعيداً بدون أن تشعر
مادة كتاب "الغائب"، تخص الدارسين في مجال النقد الأدبي، والمهتمين بتحليل فنيات المقامات، وطريقة تقديمها، أو الشكل الذي قدمت به. عالجت الدراسة مقامات الحريري؛ المقامة الخامسة الكوفية، بطريقة شيقة تحفز حتى غير المتخصص بالاستمتاع بفصولها القليلة وعموما: دراسة مفيدة لأهل الاختصاص، وممتعة للمهتمين بالتراث العربي عموما، تعرفك بفنيات السرد وتقنياته، مثل الراوي والمروي له، والحكاية... وطبعا، أبدع كليطو كعادته في تحليله القرائي.
كيليطو قبل أن يكون كاتب عبقري، فهو قارئ عظيم. كلما قرأت له، لم تتعلم فقط أساليب بنيوية في الكتابة أو التفكير، بل علمّك بدايةً كيف تقرأ. بين الحريري والهمذاني وبن منظور ودريدا يدور كيليطو بينهم برشاقة ويسر. درس مدهش في دلالات الأشياء.
هذه من الكتب التي تعلمك كيف تقرأ، وليس الأمر إرشادات وخطوات معينة بل دراسة تطبيقية تخرج منها غير ما دخلت، ويبقى فيك حسا، بعد قراءة هذا الكتاب، بكيفية القراءة وكيف تعمل، وأن لا تكون متفرجا يمر على الجمل والجمل لا عمل لك سوى فهم معانيها بل إمساك المعاني المتفرقة وإنشاءها في شبكة مترابطة من الخيوط.