إن الخطاب الذي دفعنا إلى الانخراط في حرب الخليج يمثل نظرة استعارية شاملة. فلطالما أشير إلى أننا نفهم الحرب بوصفها لعبة تنافسية، شأنها في ذلك شأن الشطرنج أو رياضة كرة القدم أو الملاكمة. وهي استعارة تحتوي على منتصر ومنهزم واضحين، وعلى نهاية محددة للعبة. وتسلط هذه الاستعارة الضوء على التفكير الاستراتيجي، وعلى فريق العمل، وعلى الاستعدادات، وعلى المتفرجين في الساحة الدولية، وعلى نشوة الانتصار، وعلى صغَار الهزيمة وذلّها. ويحدد النصر بشكل جيد في الحكاية الخرافية في اللعب. فعندما يتحقق النصر تنتهي الحكاية وتنتهي اللعبة. إلا أن الوضع لم يكن كذلك في أزمة الخليج. فالتاريخ يستمر، ولا يتخذ "النصر" معنى إلا في إطار هذا التاريخ.
George Lakoff is Richard and Rhoda Goldman Distinguished Professor of Cognitive Science and Linguistics at UC Berkeley and is one of the founders of the field of cognitive science.
He is author of The New York Times bestseller Don't Think of an Elephant!, as well as Moral Politics: How Liberals and Conservatives Think, Whose Freedom?, and many other books and articles on cognitive science and linguistics.
الكتاب في أصله مقالات نشرها ليكوف عبر الإنترنت وطلب أن يتم تداولها على الصعيد العالمي، إنه يحمل فكرة مثيرة يريد لها الانتشار، فكرة مفادها أن الجماهير قد تخدع وتُجيَّش ضد مبادئها الأصيلة بواسطة الاستعارة فقط! هذا ما فعلته الإدارة الأميركية في محاولتها انتزاع رضا الشعب الأمريكي عن قرارغزو العراق الذي لم يحالفهم الحظ فيه عندما كانت الاستعارات الموجهَّة سياسية ولكنها حالما تحولت الاستعارات إلى استعارات أخلاقية تبرر الغزو أخلاقيا وتظهر أمريكا بمظهر المخلّص ردد الشعب هتافاته وتبريكاته لهذا القرار!
الكتاب لا ينفك في كل ورقة يشعرك بعلمية الاستعارة وعمليتها وجوهريتها في التفكير الإنساني.
إن عقولنا تتحرك وفق أطر استعارية بطريقة غير واعية، تسيّرنا الاستعارات في فهم كثير من الوقائع إن لم تكن كلها. وحين نبدأ بالوعي حول هذه الاستعارات نستطيع أن نحللها ثم نحدث التغيير فيها ومن ثم التغيير في العالم. الكتاب يفتح عيوننا على أحداث ماضية وقعت ينظر إلى الخطابات فيها بتحليل الاستعارات التي تختبئ وراءها لفهم أبعاد القضايا السياسية وللتحذير من ما يمكن أن يجرنا إليه الخطاب. فالاستعارات حين توظّف يمكن أن تقتل.
للكاتب فكرة ممتازة وهي الاستعارة في الواقع الممعاصر. انتقى المترجم ثلاثة مقالات للكاتب لكن للأسف لم يوفق بترجمتها بالطريقة المفهومة والصحيحة. حيث أن الكثير من الأفكار لم أتمكن من الوصول إلى ما يريده الكاتب.
يتناول هذا الكتاب الخفيف موضوع الاستعارات اللغوية (أو المجاز) على ضوء السياسة الأمريكية في حرب الخليج، جورج لايكوف مهتم بموضوع الاستعارة اللغوية وله كتب عديدة في هذا المجال من ضمنها كتاب (الفلسفة في الجسد) الذي يعارض النظرة اليونانية الكلاسيكية لعلاقتنا بالظواهر الخارجية. لكي نفهم الظواهر المركبة فنحن نلجأ غالباً بشكلا لاواعي إلى استعمال الاستعارات اللغوية لتبسيط هذه الظواهر. الكتاب هو دراسة لتطبيق هذه الاستعارات في المجال السياسي وآثارها. يتكون الكتاب من ثلاثة مقالات أهمها هو المقال الأول (الاستعارة والحرب). يتناول هذا المقال السياسة الإعلامية الأمريكية أثناء حرب الخليج. من أجل حشد تأييد شعبي لجأ بوش الأب لرسم صورة مجازية عن الكويت البريئة التي يتم (اغتصابها) من المعتدي صدام حسين ليهبّ البطل الأمريكي لإنقاذها. أهم الأنساق الاستعارية أثناء الحرب هو تصوير الدولة بوصفها فرداً والتعامل معها على هذا الأساس. دائماً ماكانت تشغلني هذه النظرة للدول ولم أتوقع أن تكون عالمية. هذا التصوير للدولة كفرد يترتب عليه عدة اعتبارات. فالحرب بناء على ذلك يمكن أن تحسب بميزان الخسارة والربح التجاري، أي أنه إذا كانت أرباح الحرب المتوقعة أكبر من خسائرها فالحرب في هذه الحالة مبررة! وبالطبع فالأرباح والخسائر عائدة للمصالح الشخصية للدولة في هذه الحالة، فالخسائر البشرية في الطرف الآخر والآثار التدميرية لاتصنف كخسائر. في النهاية يخلص الكاتب إلى أنه من المستحيل أن نتناول القضايا السياسية المعقدة والحروب بدون الصور الاستعارية. لكن ماهي الإشكالية الأهم في الصور الاستعارية المستعملة؟ هي أنها تساهم في تسليط الضوء على وجهة نظر معينة وتخفي الكثير من الأشياء. فالنظر للحرب مثلاً على أنها تدخل بطولي لإنقاذ بلد مضطهد تكلل بالنجاح يخفي الآثار التدميرية الجسيمة والخسائر البشرية الهائلة. وهذا مايجعل كثير من الحروب تبدو متقبّلة جداً من قبل المتأثرين بالدعاية الحكومية. في المقالين الآخرين يناقش الكاتب الموضوع نفسه على ضوء هجمات الحادي عشر من سبتمبر وبعدها غزو العراق. وكيف أن الحكومة الأمريكية استعملت الأساليب نفسها للتأثير على الوعي الشعبي وتلطيف صورة الحرب وشيطنة الآخر. وبالطبع الكاتب لايخفي عداؤه لسياسة المحافظين الجمهوريين لكن تناوله للموضوع من هذا المنظور مثير للاهتمام فعلاً.
«لم تدخل الإدارة الأمريكيّة الحرب على العراق بالسلاح فحسب، بل دخلتها أيضا بترسانة استعاريّة»
هاته المقالات؛ ليست عاديّة، إنّه خطيرة؛ لو تُدرَك! فاللغةُ وسيلةٌ تنتجُ أفعالا خطيرة -على المستوى السياسي خصوصا-، قد تقتل! عموما؛ يبهرني ذكاءُ لايكوف الاستعاريّ، ناهيكَ عن هدفه التوعويّ الذي يدعو إلى إدراك الواقع وفَهمه بالتفكيرِ بالاستعارة. فهو ينظرُ إلى الاستعارة على أنّها «آليّة أساسيّة لترميز المعرفة». فإن نظرنا إلى الاستعارات بوصفها جزءا من خطابنا اليومي، فسنجدُ أن؛ «الفكرَ كلُّه استعاريٌّ».
إن الخطابات السياسيّة المستعملة في الحرب، قائمة على استعارات خطيرة، قد تُخفي الجرائم، قد تقتل! ركّز لايكوف في مقالاته الثلاثة على «استعاراتٍ كُبرى تحكّمت في الحرب»