يركز هذا الكتاب على قضية الإصلاح من حيث هي قضية الساعة في الفكر العربي بمختلف منازعه وتياراته، بما في ذلك "الفكر الرسمي" في الوطن العربي، فيجدّد فيها النظر على ضوء الظروف والملابسات التي تطرح بها اليوم.
فمن « المضامين الثورية للحقيقة القائمة اليوم، والتي تعجز أقلام وألسنة كثيرين عن التعبير عنها، كون الإصلاح الذي تريد الإدارة الأمريكية إقامته في الشرق الأوسط أو قيامه فيه ـ لا فرق ـ قد بدأ بالإفساد، ليس فقط إفساد ما كان موجوداً من صلاح قائم أو منتظر، بل أيضاً بإرباك وطمس الطريق إلى الإصلاح الحقيقي، ومن ثم تعتيم الرؤية التي تنشد الإصلاح. وهذا يطرح في نظرنا ليس اتخاذ موقف مبتسر إشهاري «مع» أو «ضد» قضية الإصلاح، كما هو الشأن حالياً، بل القيام بما ندعوه هنا: «نقد الحاجة إلى الإصلاح».
وعبارة «نقد الحاجة إلى الإصلاح» تعني، أولاً وقبل كل شيء، النظر إلى الإصلاح لا من حيث هو دعوة آتية من خارج، ولا من حيث هو شعار بادرت إلى رفعه قوى داخلية، بل من حيث هو «حاجة». فإذا حددنا أولاً الحاجة أو الحاجات التي تبرر جعل الإصلاح مطلباً في العالم العربي والإسلامي، أمكن حينئذ تحديد الأهداف منه، ثم تعيين الوسائل القمينة بتحقيق هذه الأهداف. وبما أن الأمر يتعلق بـ «مفهوم» يحدد الرؤية والمنهج، كما يتحددان به، فإنه لا بد من الاتفاق أولاً على مضمون هذا المفهوم، سواء في مرجعيتنا العربية الإسلامية أو في المرجعية الأوروبية. إن تحديد مضمون مفهوم «الإصلاح» في المرجعيتين سيمكننا من معرفة ما إذا كنا نعني شيئاً واحداً عندما نتكلم عن «الإصلاح»، أو أن الرافضين للمبادرة الأمريكية يفهمون من الإصلاح غير ما يفهمه منه أنصارها والداعون إلى نوع من التعامل معها».
محمد عابد الجابري (1936 بفكيك، الجهة الشرقية - 3 مايو 2010 في الدار البيضاء)، مفكر وفيلسوف عربي من المغرب، له 30 مؤلفاً في قضايا الفكر المعاصر، أبرزها "نقد العقل العربي" الذي تمت ترجمته إلى عدة لغات أوروبية وشرقية. كرّمته اليونسكو لكونه “أحد أكبر المتخصصين في ابن رشد، إضافة إلى تميّزه بطريقة خاصة في الحوار”.
ينطلق الجابري في هذا الكتاب من ضرورة تحديد مفهوم 'الإصلاح' الذي نريده في وطننا العربي على المستوى اللغوي، ومقارنته بنظيره في اللغة الأوروبية ذات الجذر الواحد، ذاك أن لكل مفهوم تاريخه عند أهله ودواع لظهوره، فبينما يعني 'الإصلاح' عندنا: إرجاع الشيء لما كان عليه، يعني في الفكر الأوروبي: تغيير هيئة الشيء إلى الأفضل.
ومن هنا، لنا أن نلمس أولى ملامح الحركات الإصلاحية في كلا الحضارتين، فبينما نادت هذه الحركات في الحضارة العربية بضرورة العودة للفهم الأصولي للدين كمنطلق للإصلاح، كما في دعوات الإصلاح التي قدمها الأفغاني ومحمد عبده و المنطلقة من ضرورة العودة إلى فهم معين للدين، ذلك الفهم الذي قدماه كمشروع إصلاحي، نادت الحركات الإصلاحية الأوروبية بإعادة التشكيل الدائم والفهم المتجدد للتراث اليوناني والروماني، ذاك أن أي حركة نهضوية تجديدية لن تستطيع الصمود أمام التيار التقليدي إلا إذا ما وجدت لها أرضية مرجعية في تراث ثقافتها، بحيث يبدو مشروعها التجديدي كفهم جديد ومختلف للتراث ما يزيد من فرص نجاحها، كما نجحت الدعوة الإسلامية حين استندت إلى فكرة التوحيد في التراث العربي والمستمدة من دين ابراهيم الحنيف، و كذلك فعلت أوروبا حين جعلت لها سنداً تراثياً يدعمها في حركاتها النهضوية وهو تراث اليونان و الرومان، والذي لم يكونوا ليصلوا إليه لولا إحياء العرب لهذا التراث و شرحهم له، كما فعل ابن رشد و ابن سينا، فقد شكلت فلسفة ابن رشد وشروحه لأرسطو و كتب الفلاسفة العرب التي ترجمتها أوروبا المرجعية الحضارية المهمة التي بنى عليها فلاسفة أوروبا أفكارهم الإصلاحية .
ويشير الجابري إلى أن مفهوماً كالعلمانية لا نجد له تاريخ في الثقافة العربية لأننا لم نمر بتجربة علمانية من قبل، وعلى المستوى اللغوي فالمصطلح غامض الدلالة و يشير إلى الدنيونية، وهو معنى مختلف تماماً عن المعنى الذي يعطيه المصطلح الأوروبي الذي نشأ لديهم نتيجة محاولات لفصل دين الكنيسة عن السياسة: Laïcité ، والذي يشير إلى الحركة التيار التجديدي المدني الذي ظهر كتيار مضاد للسلطة الكنسية المتسلطة، من هنا فمصطلح العلمانية لدينا لا تاريخ لا ولا تجربة حصارية ولا معنى، أما إذا أردنا أن نشير إلى المصطلح الأوروبي فنعربه عن Laïcité ، لنقول: اللائكية .
أما المصطلح الذي نجد له تاريخ لدينا كتجربة حضارية فهو 'العقلانية السياسية' التي تعني فيما تعنيه: 'الصدور في الممارسة السياسية والدينية عن العقل ومعاييره المنطقية و الأخلاقية، وليس عن الهوى والتعصب وتقلبات المزاج' ص86 ، مثل هذا المصطلح يجب توظيفه في التيارات الفكرية العربية التجديدية كمفهوم تراثي يعاد إلى الساحة العربية ولا يلقى الرفض نفسه الذي يلقاه لفظ 'العلمانية' .
ويتتبع الجابري تطور مفهوم العقد الاجتماعي في الفكر الأوروبي والذي أسس لنشوء الدولة وأحكام الاجتماع البشري، فقد تناوله الفلاسفة الأوروبيون في تنظير ومحاولات لتأسيس نوع من الديموقراطية السياسية كرد فعل على ظلم الكنيسة والنظام الإقطاعي، ويقارن الجابري مصطلح العقد الاجتماعي الأوروبي بمصطلح عقد البيعة في الفكر العربي والذي لم يتطور إلى شيء، لأن الهدف منه لم يكن التأسيس لحالة ديموقراطية أو محاولة للإصلاح أو تبني مشروع نهضوي عربي، بل كان الهدف منه هو شرعنة الخلافات السابقة وتبرير أفعالها وقد جمد على هذا، ففي حين قاد العقد الاجتماعي أوروبا إلى الديموقراطية والعقلانية واللائكية وميثاق لحقوق الإنسان، لم يقدنا عقد البيعة إلى أي مكان.
عندما نشأت فكرة حقوق الإنسان عن العقد الاجتماعي عند فلاسفة أوروبا، كان من الطبيعي أن ترتبط بفكرة القانون الطبيعي، فكان من الطبيعي أن يكون لكل إنسان حقوقه تماماً كما من الطبيعي أن ينحدر الحجر و تسيل المياه ويسقط المطر، فما الإنسان سوى جزء من الطبيعة؟ بالتالي كان لحقوقه الطابع المطلق، فهو من حقه أن يعيش ويتبنى الآراء التي يريد بغض النظر عن تصرفاته إن كانت همجية ظالمة أم مسالمة عادلة، فلا شيء يمكنه تبرير انتهاك حقوق الإنسان، وتقصير الإنسان في واجباته المجتمعية لا يسلبه حقوقه ولا يسلبه الدفاع عن حقوقه ولا يشككنا في طبيعة ومصدر هذه الحقوق، ' فلا يطعن في حقوق الإنسان كون من ينادي بها لا يحترمها' ص 133، ومن هنا فكرة أن الحق حق في نفسه في الفكر الأوروبي، مقابل فكرة نسبية الحق بالاعتماد على تأدية الواجب عند بعض الثقافات.
ويتطرق الجابري إلى مفهوم المجتمع المدني الذي يأتي كنتيجة طبيعية لحركات التنوير الديموقراطية واللائكية وحقوق الإنسان، وأن مثل هذه النتيجة يتم السعي إليها في الوطن العربي بطرق شتى باختلاف البلدان العربية، ذاك أنها لا تقع كلها على المستوى نفسه من التخلف، بل متفاوتة، وعلى أساس هذا التفاوت تكون نقطة البدء لكل بلد عربي في الاتجاه نحو المجتمع المدني والذي يعني فيما يعنيه: إقرار العدالة الاجتماعية وعقلانية الدولة، ويرجع الجابري أحد أسباب فشل التجربة الديموقراطية العربية لكون اقتصاده مرهون بالحكومة نفسها ومعتمد على القطاع الزراعي الذي يضمن استمرارية المجتمع القبلي والمعاكس للمجتمع المدني، وإن أكثر حركات التحديث لهذا المجتمع تأتي من الخارج ولا تنبع من داخله، بالتالي تأتي غريبة عليه ولا يعرفها، فلا يحقق أي تقدم فيها ولا تطور.
يكمن سؤال الديموقراطية (من أين؟) في المجتمع المغربي الذي تناوله الجابري في الدولة المركبة ومبدأ 'الجاه لأجل المال'، فمن هنا تبدأ عملية الإصلاح، وإذا كان ابن خلدون يرى أن فناء الدولة حتمية لابد منها، فإن ابن رشد يفتح المجال ليس للإصلاح السياسي والاجتماعي فقط، بل لإمكانية نشوء المدينة الفاضلة كنتيجة لعمليات إصلاح مستمرة، فمن أين نتجه نحو الديموقراطية ؟ من وضعنا الراهن بملامحه السياسية والاجتماعية، أما سؤال الكيف، فعن طريق مواجهة الحتمية الخلدونية بالمشروع الرشدي للإصلاح و الحداثة، وذلك بالحد من التدخلات الخارجية في الوضع العربي الداخلي، والالتفات لشؤون الداخل من فقر و ظلم، وإحلال العدالة المجتمعية كمضمون لعملية الإصلاح .
اقتباسات من الكتاب :
" عندما يبلغ الصراع بين "القديم" و"الجديد" في مجتمع ما درجة معينة من التطور، تعمد القوى الممثلة ل"الجديد"، المناضلة من أجله، إلى البحث في الماضي "البعيد" عن "أصول" تعيد قراءتها بالشكل الذي يجعل مضامينها تبدو وكأنها تؤسس "الجديد" الذي تناضل من أجله، ويجعل الحاضر وما يحمله من قيم وأساليب في العمل والتفكير يبدو وكأنه انحراف عن "الأصول" وخروج عنها، فيغدو مداناً، لا باسم المستقبل وحده، بل باسم الماضي كذلك، و إذن فسؤال الإصلاح، وهو السؤال الحالم المتجه إلى المستقبل بطبيعته، لا يتنكر للماضي ككل، بل العكس، إنه إذ ينطلق من نقد الحاضر والماضي القريب يحتمي بالماضي البعيد "الأصيل" ليوظفه لمصلحة النهضة، أي لمصلحة مشروعه المستقبلي، وفي هذه الحالة تقوم قوى "التجديد" بتضييق الخناق على قوى "التقليد" وبمحاصرتها من كل الجهات، إنها إذ تحاربها بما يفرزه الصراع من عوامل التطور والتقدم تعمل جاهدة على عزلها عن الماضي وسحب بساطه من تحتها، إذا جاز لنا هذا التعبير" ص 55
" الإنسان هو الذي يصنع التاريخ، ليس التاريخ بوصفه أحداثاً واقعية وحسب، بل أيضا التاريخ كمعرفة، وكل شعب يصنع تاريخه باستمرار، تاريخه الفعلي اليومي و تاريخه المكتوب، وأوروبا صنعت في القرن التاسع عشر تاريخها المكتوب، وهو المعتمد اليوم إلى حد كبير، و ربما أنها كانت، في ذلك القرن، هي التي تصنع التاريخ الفعلي، تاريخ الحاضر في العالم كله، بالعلم والاستعمار ... إلخ، فقد جعلت من تاريخها الذي أعادت كتابته تاريخاً للعالم كله" ص 146
"الكلمات لها تاريخ، ومن لا يختزن في وعيه تاريخها نوعاً من الاختزال يسهل عليه القفز فيها و بينها وإحلال الواحدة منها محل الأخريات، وتاريخ الكلمات ليس هو فقط ذلك الذي تسجله القواميس الحديثة، بل إن للكلمات عندما تتحول إلى مفاهيم تصبح تاريخاً آخر أوسع وأغنى، إن المفاهيم كائنات فكرية تولد بفعل ظروف معينة ترتبط فيها وتحيل إليها و تكتسي منها مضمونها التصوري وقوتها المفهومية التي تنقلها من مجال الاصطلاح اللغوي المجرد، البارد الميت، إلى مجال "الواقع الحي"، العلمي أو الأيدولوجي" ص 163
يؤكد المؤلف في نهاية الكتاب على أهمية "المضمون" في مجال الإصلاح، رغم اهمية "الشكل" -تقسيم السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية و كيفية ممارستها المستقلة والنزيهة لصلاحياتها- ، لأنه قد يتحول إلى مجرد مظاهر تدفع الناس إلى اليأس إذا هي بقيت مفتقره إلى المضمون الذي يؤسسها و يغذيها.
ويقرر: (( لابد من التأكيد هنا أيضا على أن توفر هذه المؤسسات لا يعني بالضرورة تحقق الإصلاح المنشود، فالإصلاح كما يتطلبه الوضع العربي اليوم ليس مجرد هياكل ومؤسسات ، بل هو أيضا و بالدرجة الاولى (سلوك وعقلية) ، فالحاكم في الدول الحديثه -خارج العالم العربي والعالم الثالث عموماً- هو أحد رجلين: إما ملك يملك ولا يحكم، أو على الأقل متحرر من عقلية وسلوك المنفرد بالحكم، وإما رئيس جمهورية يفصل بين شخصه كبقية الناس وبين كونه مكلفا بالقيام بالوظيفة المسندة إليه بالإنتخاب الحر، ولأجل معين، فإذا إنتهى هذا الأجل عاد إلى وضعه الطبيعي الذي يستعيد فيه حريته كشخص يتصرف ويفكر كواحد من -أيها الناس- بما في ذلك حرية التجول في الشارع دون خوف.))
فجوهر المضمون في قضية الإصلاح ليس بالإكتفاء بالتنصيص على هذه الحقوق في الدساتير والقوانين - لكن المطلوب هو ممارستها.
إنه يفكك مفهوم الإصلاح, الإصلاح الذي إعتدنا على تفصيل الغرب لإلباسنا ونحن في إنغمار مع فكرة أننا نمشي بالصواب لأنه آتٍ من عندهم. مع الإصلاح الحقيقي الذي ليس بالضرورة أن تفرضه الإدارة الأمريكية أو أي قوى عظمى و إنما الإصلاح القادم لأجل الإصلاح و ليس للربكة و المصلحةالغربية. * يقول : إن انتصار الجديد على القديم لا يتم عبر مجرد الكلام أو مجرد الدعوى و الإدعاء. إنه لابد من مجهود فكري حقيقي يقوم به مثقفون مؤمنون بالقضايا التي يدافعون عنها و أيضا يتحملون التضحيات الض��ورية في سبيلها .
الفكرة الهامة هنا أنه قد وجد سببا لبقاء أفكار الأوروبيين عندنا على السطح لأننا نتلقاها بالمجان و نروج لها بالمجان بينما هم تعرضوا لكافة أنواع التعذيب و النفي و الإعتقال والقتل من أجل إيمانهم بفكرة خرجت منهم
يعجبني نقد الجابري لأساس الأشياء وتحليلها وتفكيكها ببساطة وبلغة مباشرة خالية من التعقيد(less)
قدم الكاتب دراسة بحثية معمقة لفكرة الإصلاح تاريخاً وواقعاً وتطبيقاً .. وقد يبدو العنوان سرابياً لفترة لما يوقعك من لغط .. فتكتشف أن المقصود الفلسفة من حاجة الإصلاح وليس الكينونة الفعلية.
ما ببن ابن رشد وابن خلدون انتقالاً لعبده والأفغاني بعد أن يرسي تبياناً واضحاً عميقاً للمصطلحات ومنها شيئاً بديعاً للعلمانية .. يحاول أن يقدم سيناريوهات فكرية مستقرأة عن حالات إصلاحية .. فتخرج لنا الديمقراطية والدولة والتأثير الداخلي والخارجي.
هي مجموعة مقالات تتعمق فيما خلف الإصلاح .. أبدعها بحثاً .. ولكن لا أعتقد بفاعليتها على أرض الواقع.