لن أزيد عما قاله العميد من أنها دراسة بارعة، سوى أنها - على عكس غيرها كثير من الدراسات التي ألفت حين طفولة المنهج العلمي- ظلت بارعة إلى الآن، محتفظة بكثير من عناصر جدتها وبراعتها، بل وفي بعض منها تبقى سابقة لآراء يدعي أصحابها العلم.
الدراسة أولًا تخوض في أمرالدراسات التي تناولت الليالي وتحقيقها، وهي - وقبلها كان قول العميد- تشير إلى أن العرب لم يكن لهم دور في هذا التحقيق، بل وأن دور الغرب نفسه كان ضئيلًا قليلًا، فالعلوم التي تختص بدراسة هذه الموضوعات كانت لم تزل فتية بعد، لم تتطور مناهجها ولم تكثر الدراسات فيها. وهي بعد ذلك كله تخلص إلى عدة أمور أهمها: أن النسخ التي بين أيدينا حديثة كل الحداثة بحيث لا تستطيع أن تعطينا إجابة شافية دقيقة حول الليالي، وإن أعطتنا ملامح عامة حول تطورها وأطوارها التي مرت بها.
أما السؤال الذي يتلهف كثيرون إلى الحصول على إجابة عنه فهو: أي النسخ من الليالي نقرأ، وأيها أقرب للدقة أدنى للاشتمال على الصورة الأصدق؟ وإذا القلماوي تضع القارئ أمام نسختين الفرق بينهما ضئيل وإن كثرت حولها النقاشات. أما الأولى فهي طبعة بولاق بمصر الصادرة في أربعة أجزاء - والتي أعاد المرحوم جمال الغيطاني نشرها ولقي في سبيل ذلك أشد العنت- وهي نسخة طال فيها اللغة بعض التنقيح فصارت أقرب للفصحى، وأزيلت منها بعض الألفاظ الجنسية الصريحة وإن لم يكن كلها. وأما النسخة الثانية فهي طبعة برسلاو، وهي الطبعة التي دارت حولها نقاشات ومساجلات واتهم صاحبها - الذي ادعى أن صاحبًا تونسيًا قرأها عليه- بالتلفيق والكذب والانتحال. ولكن قراءة مقارنة بين النسختين تطمئن إلى أن الفرق بينهما يسير أشد اليسر، فلا تكاد تتجاوز الصفحات الأولى حتى تنتظم النسخة الثانية فتبدو أشبه بالأولى أشد اشلبه.
أما عن نسبة الليالي، فتراها مرت بأطوار ثلاثة: أما الطور الأول فهو هندي عرفه العرب ضمن ما عرفوا من آثار الهند وأخبارهم وآدابهم وكتبهم، ولم يحفظه لنا الزمن ضمن ما حفظ، ولكنه احتفظ لنا بشذرات متفرقة دالة على أنه كان يومًا ما، فها هو "مروج الذهب" يذكر لنا أن العرب عرفوا "هزار أفسان" الهندي وتأثروا به، ولكنا لا نكاد نعثر على شيء محقق حول ما حواه الكتاب.
وأما الطور الثاني فهو عربي بغدادي، تأثر أكثر ما تأثر بالرشيد الذي كان في أكثر القصص مثالًا للحاكم العادل، وفي بعضه أو أقله مثالًا للخليفة المقبل على ملذات لا حصر لها. ثم ننتقل إلى طور ثالث كان له أكبر الأثر على الليالي، وهو الطابع المصري الذي طبعها بروحه فصارت في كثير منها مصرية خالصة لا تكاد تصور العراق أو الهند أو حتى عوالم الجن والشياطين سوى في الصورة التي عرفها المصريون. وهي - الليالي- إذ تمر بين راو وآخر حتى تبلغ طورها الذي حفظت فيه النسخ التي بلغتنا.
أما الجزء الذي سحرني في الكتاب فهو الذي تتناول فيه الكاتبة مووعات الليالي. فهي في تقديمها لكل موضوع تكاد تقدم بحثًا مستقلًا لا أكاد أبالغ إن قلت إنها سبقت فيه الكثيرين من باحثينا المحدثين. وإنك لتقرأ مبحثها في الدين فتجدها واعية كل الوعي بنشأته وتطوره، تدرك اتصاله منذ نشوء الأديان عند الأمم الغابرة حتى الصورة الأخيرة في مكة، لا تراها جزرًا منعزلة، ولا ترى انقطاعًا بينها.
جهد عظيم من تلميذة عظيمة لأستاذ عظيم، درست فيه أمرًا لم تجد من يمهد لها الطريق فيه، فكان عليها أن تضطلع بهذه المهمة الثقيلة التي يخشى بعض أساتذتها من الخوض فيها، فيؤثرون موضوعًا قد طرق من قبل فإذا هم يرون أعلامًا تيسر لهم الطريق، فأما هي فليست أقل من صاحبها العائد من أوروبا، الباحث عن كل طريق لم يخض فيه غيره، لعله يظفر بسبق لم يظفر به غيره، ولا أظنها إلا ظفرت بهذا السبق!