الكتاب مثال للفكر الرجعى
الكاتب يحاول أن يثيت بشتى السبل أن (الحملة الفرنسية) لم تكن بداية تحديث مصر , وأن مصر كانت قادرة على النهضة تحت الحكم العثمانى المملوكى.
والحق أن العصر المملوكى لم يكن فسادًا كله , فلم نعدم فيه الاصلاحات كعهد (عثمان ذو الفقار) و (إبراهيم و رضوان) و (على الكبير) وخلفه (محمد أبو الدهب) , ولعل أهم الإصلاحات فى رأيى كانت محاولات الاستقلال عن التبعية العثمانية.
بل وحتى فى أشد العهود فسادًا وقسوة على المصريين كعهد (إبراهيم ومراد) , العهد الذى قدمت فيه الحملة الفرنسية , لم يكن المصريون سلبيين تجاه هذا الواقع , إنما قامت الثورة تلو الأخرى , ونجحت فى عدول المماليك فى سياستهم ولو إلى حين.
أقول أن على الرغم من الأقرار بذلك , إلا أن هذه الاصلاحات فى حقيقة الأمر لم تكن إصلاحات تهدف إلى التحديث بأية حال , إنما كانت إصلاحا�� معيشية _إن جاز التعبير_ مما تقتضيه ديناميكية الحياة.
الكاتب يرى أن المصريين كانوا مهيئين , أو على وشك النهضة من قبل مجئ الحملة , وهذا مالا يقوله منصف ؛ فالمصريون _المؤهلون كما يقول الكاتب_ لم نر فيهم مجرد الاستجابة للثقافة الأوربية , فالواقع أن عقولهم _كما يقول الجبرتى نفسه_ لم تستوعب هذه الحضارة المتقدمة , ولم تتجاوب معها أدنى تجاوب , فعلى أى منطق رأى الكاتب فى المصريين هذا التهيؤ؟
يدلنا على ذلك موقف الشيوخ المصريين _الصفوة وقتئذٍ_ من نابليون حين نعى على العرب جهلهم بعد علم , وأنهم لم يبقوا من علومهم الأولى شيئًا.
فردّ عليه السادات أن يكفيهم من تلك العلوم بقاء القرآن , الذى يغنيهم عن كل علم.
فلما رد نابليون ساخرًا : هل القرآن يعلم سبك المدافع؟ فكانت الإجابة من الجميع بـــــ(نعم)!
فأى حداثة كانت تُرجى من هؤلاء؟
ثم لو جارينا الكاتب فى أن مصر كانت فى سبيلها للنهوض قبل مجئ الحملة , فأى من السنين كانت كافية , ليتوفر لها هذا العدد من خيرة العلماء فى شتى العلوم الذى جاء فى رحاب الحملة , مما نتج عنه هذه الإصلاحات التى يعترف بها الكاتب نفسه , والذى حاول _عبثًا_ أن ينال من قيمتها باعتبارات قومية جاوزت الحد إلى التعصب.
فالجميع يعرف أن (بونابرت) جاء إلى مصر بأطماعه الاستعمارية , مثل غيره من المستعمرين على اختلاف الأزمنة , فليس هذا الأمر صادمًا لأحد مهما بلغ من السذاجة ( والحق أن بونابرت قد عامل المصريين باستخفاف شديد حين تبنى سياسته الدينية , حتى ادعى الولاية , غير مدرك أن الجهل ليس مرادفًا للحمق والسذاجة).
لكن الحقيقة التى لم يستطع الكاتب حجب شمسها , أن الحملة الفرنسية _رغم كل شيء_ كانت وهج النور الأول فى هذا العهد الحالك الظلمة , ليعرف المصريون بعدها أن ثمة فى هذا الكون ما يغايرهم , وأن العالم ليس ينتهى على مدى ظلال كهفهم.
وربما كانت تلك الاعتبارات القومية لدى الكاتب هى التى تثيره سلبيًا تجاه فكرة (المركزية الأوربية) كما يسميها , ويرى أن مصر كانت مهيأة للقيام (بحداثة خاصة).
والمتأمل فى ذلك بإنصاف لا يرى ضيرًا فى فى (مركزية الحضارة الأوربية) , فالحق أنها حضارة غنية , متقدمة , راقية فى شتى المجالات , وليس ثمة طريق للتقدم إلا باقتباس هذه الحضارة , ولا أظن ذلك عيبًا , إنما ضرورة , وواجب , فلو كنا نحن من يمتلك هذه الحضارة المتقدمة , لم يكن أمام الغرب وقتئذٍ إلا الأخذ بحضارتنا , واقتباسها طريقًا للتقدم.
ثم أن الكاتب قد فاته أن (الحضارة) فى مفهومها العميق , ليست حكرًا على شعب دون شعب , فالحضارات _أولاً وأخيرًا_ نتاج إنسان لإنسان آخر , دون الاعتبارات القومية والدينية المبالغ فيها حد التعصب.
الحق أن الكتاب قد تبنى فكرًا رجعيًا , غير حرى بالشباب أن يلتفت إليه , فالقومية وإن كانت من أنبل العواطف وأشرفها , فهى لاتكون كذلك عندما تجنح إلى التطرف , وتضييق المساحات الرحبة التى تلتقى فى خلالها الأفكار والمشاعر , والثقافات على اختلافها.