حمل كتاب إدوار الخراط " الحساسية الجديدة : مقالات في الظاهرة القصصية" (دار الآداب ، بيروت، 1993) إشكاليات مهمة في التنظير للكتابة القصصية العربية ( وبالتحديد المصرية ) الجديدة والتطبيق عليها ؛حيث يتشكل الكتاب من خلال ثلاثة أبعاد هي : فضاء استجلاء أفق الحساسية الجديدة على المستوى التنظيري ، وفضاء ما قبل الحساسية الجديدة ( أو ما يطلق عليه الحساسية القديمة) ؛وفيه قراءات لبعض أعمال نجيب محفوظ ،والمازني ،وطه حسين، ومحمود بدوي، ويوسف إدريس، ويحيى حقي ، وفضاء مقارباته لبعض صور الحساسية الجديدة في قصص السبعينيات القصيرة، وفي قصص بهاء طاهر، وعبده جبير، ومحمد حافظ رجب، وإبراهيم أصلان، وعلاء الديب، ومحمود الورداني، وخيري عبد الجواد، وربيع الصبروت ..ممثلين للحساسية الجديدة.
إن مصطلح "الحساسية الجديدة "مصطلح قلق ؛ لأنه يفتقر للتعريف الإنجازي تنظيراً وتطبيقياً ،ونشعر بهذا القلق من خلال إمكانية طرح مصطلحات بديلة يراها الخراط في عناوين مثل " العالم الجديد " و " البلاغة الجديدة " و" الكتابة الجديدة " .. لكنه يفضل " الحساسية الجديدة" ؛ لأنه المصطلح الأكثر دقة والأوفى من وجهة نظره .. في حين ربما يعد مصطلح الكتابة الجديدة - من وجهة نظرنا - المصطلح الأكثر فاعلية في مجال ما يطرحه الخراط في كتابه ،خاصة أن هذا المصطلح متداول وشائع على المستوى النقدي العربي …
يعرف إدوار الخراط "الحساسية الجديدة" بأنها " كيفية تلقي المؤثرات الخارجية والاستجابة لها ".وهذا التعريف أيضاً بالرغم من كونه مكثفاً إلا أنه قد لا ينجز فاعلية منهجية قياساً إلى ما ينجزه مصطلح أكثر وعياً وجدلية وعقلانية، وهو مصطلح الكتابة الجديدة .
من الممكن القول بأن مصطلح "الحساسية الجديدة " يمتلك بعداً شاعرياً يجعل من الشعر صياغة فاعلة في النثر، لكن المصطلح الآخر: " الكتابة الجديدة " له مقومات الفاعلية النقدية التي تجعل محورة الكتابة النثرية أهم من حدس الشعرية… لذلك كنت أتمنى لو كان عنوان الكتاب "الكتابة الجديدة : مقاربات في الظاهرة القصصية "، وإلغاء مصطلح مقالات لصالح مصطلح " مقاربات " ؛ وذلك لأن المقاربة تعني انفتاح وعي القراءة على لغة الخطاب ووعيه، مما يجعل من النقد/ القراءة مادة ذات فاعلية تأويلية جمالية .
ما يقدمه الخراط في القسم الأول ( استجلاء .. لأفق " الحساسية الجديدة ") يعد من أهم تنظيراته لأبعاد معرفة التمايز بين الكتابة الجديدة والكتابة التقليدية التي ما قبلها، إلا أنه تبقى هناك مساحة من الغموض أو من احتجاب بيان بعض الإشكاليات، وربما يعود هذا إلى طبيعة النقد الجديد الذي يحتاج إلى إعادة إنتاج مثله مثل الخطاب الإبداعي .. كما أنه بحاجة إلى ترتيب ما.. بعد معاينة ما يغزوه أحياناً من اضطراب (أو فوضى من نوع معين) ينتمي إلى الإشكالية النقدية لا إلى المأزقية النقدية، وإن كان الأمر قد لا يخلو من هذه المأزقية أبداً ..
قد لا نفهم الفصل غير المبرر بين الحداثة والحساسية، وذلك عندما يذهب المؤلف إلى تأكيد أنه لا يجعل الحساسية مرادفة للحداثة ؛ لأن هناك خلافاً بينهما حيث الحداثة تعني من وجهة نظره: " السعي المستمر نحو المستحيل في التجاوز المستمر للأشكال". في حين يرى " أن مجموع الرؤى أو الطرائق الفنية في الحساسية الجديدة يمكن أن تستقر وتصبح نتاجاً تاريخياً وزمانياً وتتجاوزها وتقوم على إثرها حساسية جديدة أخرى " . ولو حاورنا هذين التعريفين لوجدنا أنهما يصلان إلى درجة واحدة من التعريف ،إذ إن حداثة أي شكل أو خطاب أو رؤية…ستصبح مستقرة في ظل استمرارية التجاوز. فإذا كان أبو نواس نموذجاً لحداثة ما استقرت في عصره، فهو أيضاً كان نموذجاً لحساسية معينة أضحت مستقرة، ومن ثم من الصعب على المستوى التنظيري التمييز بين اصطلاحي الكتابة الجديدة والحداثة في الكتابة .
ثم يقول الخراط في موقع آخر " وإذا كان صحيحاً أن كثيراً من نتاج الحساسية الجديدة في مصر يمكن أن يعتبر حداثياً ؛ بمعنى أن يظل مهما استمر الزمن له قيمة المساءلة والقلق وانفتاح الرسوخ، فإن كثيراً من نتاجها أيضاً يمكن ،وقد بدأنا نراه من الآن، يتحول إلى نوع من التقاليد الجديدة ونوع من الصياغات القالبية المأثورة . الحداثي هو من بين نتاجات الحساسية الجديدة ما يظل متمرداً داحضاً هامشياً ومقلقاً يسعى إلى نظام قيمي مستعص بطبيعته على التحقق ؛ لأنه يحمل في لبه نواة هدمه وتدميره من أجل سعي مستمر إلى قيم جمالية وثقافية واجتماعية متجددة أو دائمة التجدد وليست فقط جديدة ".
وفي ظني أن مثل هذا التصور لفاعلية استمرارية الحداثة هو تصور قد توقف في اللحظة التي أخذت فيها الحداثة تكرس مفاهيمها وتتحول إلى أبعاد تقليدية قياساً إلى ما جاءت به "ما بعد الحداثة" على سبيل المثال ، وهو يتلخص في هدم النموذج الذي بدأ يتشكل ويأخذ قالبية معينة في تركيبة الحداثة التي لم تعد تختلف عن مفاهيم الحساسية الجديدة التي يراها الخراط ،محاولاً تبرئة الحداثة من أية عيوب قد تجعلها غير متجاوزة للأشكال، وأنها فعلا أخذت شكلاً ثقافياً وفنياً واجتماعياً ..أصبح معروفاً .
الرؤية النقدية التي يملكها إدوار رؤية ثريّة وعميقة.. قراءة هذا الكتاب تعني معرفة القارئ بأهم كتّاب القصّة القصيرة في العالم العربي، وذلك لثراء هذا الكتاب بالمعلومات التي تدلّ على سعة وعمق اطلاع إدوار في هذا المجال، بدايةً ممّن وصفهم بأصحاب "الحساسية القديمة"، مثل يوسف إدريس ونجيب محفوظ مثلاً، وانتهاءً بمن وسمهم بأصحاب الحساسية الجديدة، وهم أمثلة كثيرة.. بالإضافة إلى أنّ هذا الكتاب يُعطي القارئ أفقًا أوسع في النظر إلى الأدب وفي قراءة النص الروائي أو القصصي، وذلك يعود لثراء النقد الذي يقدّمه إدوار بحد ذاته.. يعيب على الكتاب طوله ربما، إلا أنّه جيّد وثريّ جدًا بالمجمل.
I'll just say this: Edward Al-Kharrat; in the 90's, @ the age of 67; was more open to new critical theories (Barthes et al.) and generally having more appretiation to experimental ways of writing, more than all of our renowned writers/lit critics-both old and young- that we have in our midst in 2023.
Al-Kharrat the literary critic was as daring and couragious to appreciate new ways of writing by young egyptian writers, as much as he was a daring avantgard writer.
PS: The last chapter has to be read in // with David Foster Wallace's essay: E-Unibus Pluram. The amount of synchronicity between literarry theory world-wide is mind baffling.
كتاب رائع، ودراسة واسعة لأطياف وأصوات كتير من الأدب المصري، دراسة عميقة وجادة، وفرصة لاكتشاف تجارب مهمة و فارقة في الأدب المصري في القرن العشرين. سعيد بقراءة الكتاب و هعود إليه مرة بعد أخرى بعد قراءة أعمال كل كاتب من اللي لم أقرأ لهم حتى الآن.