أي قلب لم ينزف عبر الجفاء؟!...، أى روح ما اعترتها الكآبة؟!...، وكم للكآبة من عمق في نفس طالما انداح فيها السأم، فجعلت من الكآبة صخرة رست عليها صروح أضيئت لها الشموع.
كانت حلماً: قصة تمثل أحداثاً إنسانية تتأرجح بين دمعة عين وبسمة قلب، دمعة تركت أثراً مؤلماً في عين شاعر ظلمه مجتمعه، فترك وطنه مخلفا وراءه آمالاً وأحلاماً تكسرت على عتبة الفقر، فعاش آلام الحياة وعذاب الحرمان، هي دمعة حرى تدحرجت على خد شاب سجنه قدره في زنزانة القهر والعذاب وقد خسر أمله الضاحك.
كانت حلماً: قصة الحلم والخيال التي تحكي انبعاث رحمة الغيب على يد حورية أتت من المجهول، تمثلت بحسناء جميلة فاتنة، لتعيد لذلك الشاعر الخائب درب الحياة الوضاء، وقد منحته لمسة حنان حب وأمل بعد ضياع، فأنارت له درب الحياة، فيبسم القلب عندهما بعد طول قنوط...
كانت حلماً: قصة الشباب الطامح إلى العلاء، قصة موضوعها شيق يلذ القارىء تحمل في مغزاها صدق العلاقة وعمق الترابط الإنساني البعيد عن المصلحة، قصة جديرة باهتمام الفتيات والفتيان، كما أنها تهم كل امرأة ورجل، فهي البسمة السعيدة بعد انكسار اليأس وانعدام الأمل... قلبان عاشقان، مزجهما الحب والحنان، فرق بينهما الواقع المستحيل، تحولت ذكرى خالدة، كانت حلماً...
انطلقت الرواية كما لو كانت وعدًا بعالمٍ مغمور بالدهشة؛ عنوانٌ يلمّح إلى الرقة والخيال: "كانت حلمًا". لكن ما إن توغلتُ في الصفحات حتى بدأ الحلم يبهت، ويتحوّل إلى غلالةٍ ضبابية لا تكشف إلا خواءً باردًا.
كنت قد عرفتُ قبل الدخول إلى النص أن رائف فضل الله كاتب وروائي مصري، إنتاجه قليل نسبيًا، ولم يُسوَّق له كثيرًا. أسلوبه – كما قرأت – يميل إلى الحس الفلسفي والبعد النفسي، وأحيانًا يلامس مناطق شبه صوفية من دون أن يغدو نصًا دينيًا مباشرًا.! لغته عربية فصحى واضحة، فيها شاعرية من حين لآخر، لكنها ليست مزخرفة حدّ التكلّف. أما هذه الرواية تحديدًا فهي أقرب إلى نوفيلا، يغلب عليها التأمل والجو الحالم، وليست عملًا قائمًا على الأحداث السريعة أو الأكشن.
توقعت إذن أن أدخل إلى عالمٍ حالِم بطيء الإيقاع، وأن أجد مساحة للتأمل أكثر من الإثارة. لكن ما وجدتُه لم يكن بطئًا محسوبًا ولا حلمًا مدهشًا؛ كان أشبه بظلال حلمٍ لم يكتمل.
لغة الكاتب، التي كان يُفترض أن تكون جناح النص، جاءت ركيكةً متعثّرة؛ صورٌ مكرّرة وتعبيرات لا تمسك بالخيال. الكلمات لم تُحلّق، بل تدحرجت على الورق كأحجارٍ تُعطّل تدفق السرد. حاول أن يرسم لوحاتٍ حالمة، لكنه تركها بلا ألوانٍ حقيقية، كمسودّات غير مكتملة.
أما الأحداث فتاهت في مشاهد حشو متلاحقة: صفحات تُحكى بلا ضرورة، شخصيات تظهر وتختفي بلا أثر، ومواقف تُبنى على لا منطق، كأنها دمى خشبية تحرّكها يدٌ غير ثابتة. كثيرًا ما وجدتُ سردًا مطوّلًا لا يضيف إلى المعنى شيئًا، بل يثقُل على القارئ ويقوده إلى منطقة مللٍ وانفصال.
ولستُ ضد الحلم في الرواية؛ بل أؤمن أن الأدب الحالم يفتح أحيانًا أبوابًا للروح لا تجرؤ الواقعية على لمسها. غير أنّ المشكلة هنا لم تكن في الحلم ذاته، بل في كونه ستارًا يُخفي خواء النص وضعف حبكته. والتوقيت بالنسبة لي كان مناسبًا تمامًا لقراءةٍ حالمة، إذ كنتُ قد خرجتُ لتوّي من عاصفةٍ قرائية مع "The Silent Patient"؛ رواية من طراز التشويق النفسي والجريمة شدت أعصابي حتى آخر سطر، وأبقتني معلّقة بين الذهول والتوجّس. لذلك توسمتُ خيرًا في هذا الكتاب علّه يمنحني بعض السكينة بعد ذلك التوتّر، غير أنّه لم يفعل؛ بل خيّب انتظاري، وصار إغلاقه أشهى من مواصلة قراءته.
وعلى المستوى الشخصي، علاقتي بهذه الرواية حملت مفارقةً خاصة. فقد وقعت في يدي مصادفةً منذ سنوات، من مكتبة صغيرة كانت تُصفّي عناوينها قبل أن تُغلق أبوابها. ربما لذلك تمسكت بها أكثر مما تستحق. صنعت لها قائمة موسيقية خاصة، انتقيت مقطوعاتها بعناية، قطعةً بعد أخرى، حتى وجدتني أحب الموسيقى أكثر من النص نفسه. كنت أفتح الصفحات لأجد فيها ذريعةً للاستماع، وكلما تسلّل الملل من الأحداث أغلقت الكتاب وتركت الموسيقى تملأ الوجدان. ومع الوقت، صار التشبّث بتلك القائمة خلاصًا صغيرًا من قراءةٍ لا تكتمل.
وعندما حاولت أن أترجم هذه التجربة إلى تقييمٍ بالنجوم، وجدت نفسي في حيرة: هل أُكافئ الفكرة الحالمة التي لم تُستثمر، أم أُعاقب النص على عثراته؟ منحتها نجمتين من خمس؛ نجمةً أُولى للعنوان الذي وعد ولم يُنجز، ونجمةً ثانية لتلك اللحظات القليلة التي بدت فيها اللغة قادرة على التلمّع قبل أن تخفت. أما ما تبقّى، فلم يكن يستحق أكثر من صمتٍ طويل.
في النهاية، خرجتُ من "كانت حلمًا" بشعورٍ أنها لم تكن حلمًا، بل وهمًا طويلًا ووعدًا لم يتحقّق. روايةٌ حاولت أن تحلّق في فضاء الخيال، لكنها بقيت أسيرة جناحين هشّين لا يحملان سوى التعب. وما تبقّى منها عندي ليست القصة ولا الشخصيات، بل موسيقى صنعتها لنفسي — هديتي الخاصة من كتابٍ لم يمنحني سوى الخيبة...!
السرد القصصي غير ناضج ويفتقد إلى الأسلوب الجيد واللغة القوية وكذلك الحوار في القصة يتسم بالتكرار والركاكة المستوى تحت المتوسط ولا أنصح بها القراء الذين يبحثون عن العمق والتميز