سعت الكاتبة خلال جملة من الحكايات الى تقديم معالجات اجتماعية تبلورت بشكل واضح في القصة الأولى (نصف إنسان) حيث انصرف الراوي إلى اقتفاء أثر معاناة (نايف) التي قد تحدث لأي شخص منا، فالراوي هنا لم يقدم أية مفاجأة إلا أن الكاتبة ومن خلال اللغة استطاعت تقديم بلاغة مناسبة جعلت من الحوار داخل النص منفساً وحيداً يمكن للقارئ من أن يتلمس طريقه خلاله. في القصص الأخرى تقوم معادلة (الإنسان الحياة) لنرى في (دب الأحلام) هواجس الفتاة التي تصارع رغبات كثيرة أهمها فترتا الانتقال من الطفلة إلى الشباب.. ذلك المسار الذي حاولت (الفتاة) أن تكتشف ممراته ودهاليزه لكن من خلال قصة هذا الحلم الذي تكشف على نحو (بانورامي) تواجدت في ثناياه مواقف كثيرة: نخلة وعصفور شمس وقمر شتاء ومطر ومفارقات أخرى جعلت من هذا الحلم مشهدا سرديا يمكن أن يروى. (قصص وأحداث تسكن الحياد) الكاتبة عائشة القصير ظلت وطوال سرد قصصها تحافظ على رسم إطارها الخاص الذي حاولت فيه تقديم الرؤية عامة حول القضايا الاجتماعية التي عرضتها، فإذا تتبعنا سياق السرد العام نجد أن (عائشة) انصرفت إلى تقديم لغة مناسبة كما أنها عكفت على استحضار الحكاية حيث أخذت حيزاً كبيراً من فضاء السرد. أمر آخر انشغلت فيه الكاتبة يتمثل في إطالة أمد الحوار في معظم القصص.. في وقت حافظت فيه قصة (صراع مع الموج) التي تحمل اسم المجموعة حافظت فيه على رسم إطار قصصي واضح تتجلى فيه معضلة (عبدالله) حيث يعاني الغربة في وقت دأبت فيه (خوليانا) على اختراق واقعة لكنها رحلة إنسانية قصيرة جداً لم تنجح المرأة فيها، ليعادل (أبدول) رحلة العزلة من جديد.. فجاءت الأسطر الثلاثة الأخيرة لحظة تنوير سردي مميزة (المجموعة ص52).
في هذا الكتاب تصور عائشة قصص من واقع حياتنا الإجتماعية وتحاول في سردها أن تعطي مفتاحاً لحل ما قد ينجح إذا ماأعطيناه اهتماماً
هنا بعض الاقتباسات:
إننا حين نكبر ، تستحيل دموعنا أحلام لامعة نذرفها ساعة ننام . كلما صارت أحزاننا أكبر ، كلما التحفنا بالنوم وذرفنا أحلاماً أكثر
سل الألوان ياعالم ، وستعرف ! ستعرف أن الانكسار والبكاء لغة تتقنها ابتسامة الألوان . إذن ليست الألوان - كما تظن - رمز الانتعاش والبهجة . الألوان ، ياعالم في الاساس لون أبيض سقيم . هذا الابيض بعد أن عبّ الشحوب والمرض الكفاية ، وبعد أن استوطن صباح الناس حتى ملأه بالأكفان والبكاء ، قرر أن يضحى على حساب تعبه وشحوبه . قرر أن يوظف مابقي فيه من حياة ليتضرج بالألوان ويصتع شيئاً مختلفاً في حياة الناس ، أن يتخذ من حزنه العميق معبراً يقول : ” لا أحب هذا لي ، ولا أملك أن أمنعه عني ، فلأمنعه إذاً عن الآخرين “ـ
أول مجموعة قصصة أدبية قرأتها في حياتي، جميلة جداً، و وقعها كان كبيراً على نفسي ، ولا زال. آسرة لغة عائشة، والقصص قيمة جداً في غايتها، فريدة بلغتها السردية، ما زلتُ أستمتع بالقدر ذاته كلما قرأت منه قصة.