عبد الكريم غلاب روائي متميز يذكره أغلب القراء المغاربة برواية المعلم علي. هذه الرواية ضمن آخر أعماله و لعلها في نظري أسوأ اعماله. لا أقول أن كل ما في الرواية سيء، لكن قناعتي الراسخة بأن الأعمال الأدبية التي تكتب كي تنتصر لآراء الكاتب تفشل في الانتصار له كروائي، تؤكدها هذه الرواية. الرواية حاولت مقاربة موضوع حوار الحضارات من خلال قصة شابة سورية ترحل إلى عاصمة الأنوار باريس لاستكمال دراستها و تقع في حب شاب سيصبح من أنصار اليمين المتطرف فيما بعد. الرواية مليئة بالحوارات المثقلة بالقضايا التي تشوب هذا الحوار-الصراع بين الشرق و الغرب. هذه الرواية فيها من الجدال و الحجاح الشيء الكثير لكن فيها من الرواية ما لا يكاد يذكر.
مع عبدالكريم غلاب رحمه الله، نكتشف نموذجاً فريداً في الكتابة الروائية العربية، وذلك من خلال توظيفه للحدث التاريخي المتمثل في الإستعمار والصراع الحضاري، في خضم عوالم الفكر والأدب.
فمن خلال شخصية (سامية) يغوص بنا الكاتب في فضاءات فكرية متشابكة، تحاول تجاوز بعض المسلمات والإساقطات التي أنتجتها الحضارة الغربية المعاصرة، في تفاعلها مع الآخر الشرقي.
سامية، فتاة شرقية من دمشق، تسافر إلى باريس من أجل إكمال دراستها الجامعية. وهناك ستجد صخب الحرية التي فقدتها في شرقها الهادئ المنكمش على نفسه وتقاليده، لكي تنطلق بجرأة لتحقيق أحلامها المكبوتة. وسيكون زواجها بالشاب الباريسي (أندري) انعكاسا لهذا التمرد، وبوابة إلى ما كانت تنشده من تلاقح الحضارات وتكاملها، حين يمتزج الشرق بالغرب بعيداً عن الصراع والاستغلال. وما انتماؤها إلى «معهد دراسات سيكولوجية الشعوب ونفسياتها» في باريس إلا تأكيد منها لهذا الاختيار الحضاري الذي ارتضته لنفسها، وسعت إلى تحقيقه على أرض الواقع.
فهي تعتبر أن مشكلة الغرب هي في ابتعاده عن الشرق. وأن القوة المتحكمة فيه اخطأت يوم شنت عليه الحروب الصليببة، فارتكبت في حقه جريمة لا تغتفر، كانت بداية صراع الحضارات، وانتهت بحروب الاستعمار.
(سامية) تجسيد لذلك الصوت الآتي من الشرق، والمؤمن بالتلاقح والتكامل والحوار بين الحضارات، فلا صراع ولا غزو ولا حروب ولا صدام، الكل يجد مكانه الرحب في هذا العالم بالعقل المنفتح المؤمن بالانسان والانسانية. فإذا كانت حضارة اليونان والرومان تعانقتا، وحضارة العرب والأوروبيين تفاهمتا، فلا سبيل لبناء حضارة المستقبل إلا بإنكار دعاوى الصدام والصراع والتعصب.
الشرق الذي تريده سامية حليفا للغرب وصديقا له، ذنبه الوحيد أنه شرق، وجريمته الكبرى أنه يملك البترول. إن حضارة الشرق وجغرافيته وتاريخه جنت عليه، وجعلته يعاني الآن ما يعاني، من خلال الحروب التي دمرت أهم مدنه ومتاحف الحضارة فيه.
الرواية بما تضمنته من حوارات راقية رسالة مشفرة من الكاتب إلى أرباب الفكر والسياسة من أجل نبذ التعصب الحضاري والاعتراف بالآخر من أجل بناء حضارة إنسانية تحترم قيم التسامح والتعاون والتعايش السلمي.