حاول الأستاذ محمود شاكر في سلسلته هذه أن يضع بين أيدي المثقفين كتاباً ليطلعوا على تاريخ الأمة الإسلامية بعيداً عن الكتابة الأكاديمية التي تفيد المتخصصين، ويُلحَظ هذا المنهج من تركه الإحالة على المراجع في صلب الكتاب، إذ يسرد التاريخ من أول الكتاب إلى آخره ثم يذكر قائمة بالمراجع في نهاية المجلد، وهذا ينفع غير المتخصصين إذ لا حاجة لهم بتشتيت انتباههم بكثرة ذكر المراجع، وإن كان في هذا المسلك ما فيه من إقلاق لراحة الضمير العلمي وتوجس من وثوقية ما يُذكر أهو رأيٌ أم نقلٌ لما وقع؟
يُؤخذ على الكتاب –بل يُعاب- أنه ما ذكر فيه إلا التاريخ السياسي للدولة العثمانية، وكأن التاريخ الإسلامي هو تاريخ انتصار الخليفة الفلاني وتعيين أو خلع الأمير الفلاني، والحروب التي قامت والفتن الداخلية التي ثارت وهكذا ... فلا يرى القارئ أمامه إلا صور السيوف التي تُشهَر والمعارك التي تُخاض والأمراء الذين يعينون ويُخلعون، وهذا –لعمري- اختزال مخلٌّ بالتاريخ، ولو عنون المؤلف كتابه بالتاريخ السياسي أو العسكري لما جاوز الواقع، فالتاريخ أوسع من السياسة وقصور الحكام، إنه حياة اجتماعية فيها علاقات زاخرة داخل المجتمع وعادات متفاوتة زمانياً ومكانياً يحتاج القارئ للتاريخ أن يقف عليها، كما أن في التاريخ جانباً ثقافياً يوقف القارئ على تاريخ الفكر والثقافة والعلماء، وفيه حياة فنية جمالية وحياةٌ معمارية وحياةٌ اقتصادية، كل هذا لا يُشار إليه في الكتاب إنما يُكتفى بتتبع حيوات أولي الأمر بدقائقها وتجاهل الحياة الحقيقية الموارة بالحركة والمليئة بالمتعة للقارئ بعيداً عن ملل السياسة والعسكرة.
يُستفاد من الكتاب في نشأة الدولة العثمانية أنها قامت على العصبية (كغيرها من الدول) ثم أذن لها أفول الدولة العباسية بالتوسع وفرض الهيمنة على العالم الإسلامي، ومن أعظم مآثرها فتح القسنطينية على صعوبته، وحفاظها على هذا المنجز التاريخي، ويُلاحظ القارئ أن هذه الدولة على سلبياتها أنها تمكنت من توحيد راية كثير من البلاد الإسلامية إثر تفتيت التتار لها، ثم أتى طور الضعف الذي استعان فيه بعض المسلمين بالغرب الصليبي ضد بعضهم البعض فزاد النفوذ الصليبي وضعفت شوكة الإسلام حتى آل الأمر إلى الاحتلال شبه الكامل لبلاد الإسلام بشكل مباشر ثم الانسحاب العسكري مع إبقاء أذناب الغرب يمتصون دماء الشعوب ويقدمونها للغرب على أطباق الراحة.