الاسم يغبن الكتاب الكثير، لا يتناول هذا الكتاب تاريخ (المكان المسرحي) و(عمارة المسارح) و(فن المناظر) فقط، وإنما هو رحلة عبر القرون منذ أن وُجد الفن المسرحي إلى نهايات الحرب العالمية الثانية ..
بعد مقدمة عامة عن الفن وخصائه وعناصره، ووظائف الممثل والمخرج ودور المشاهدين، ينتقل إلى تاريخ المسرح، ويبدأ بتاريخ المسرح المصري القديم، وهو في هذا الفصل يرد على الآراء المختلفة التي قالت بوجود فن مسرحي في مصر الفرعونية، ويفند كل هذه الآراء، ويقول أنها كانت في الواقع طقوسا دينية لا مسرحية، وإلا فأين المشاهدون وأين أماكن جلوسهم، ولِمَ لم يظهر إلى الآن أي أثر باقٍ لمسرح مصري قديم!
إذن فالبداية الحقيقية للمسرح جاءت من الأغريق ومن بعدهم الرومانين، فيتناول تاريخ المسرح الأغريقي والروماني والمسارح وتكوينها المعماري في كلام طويل، وعن ملابس ذلك العصر وأسماء الأنسجة المصنوعة منها وهيئاتها المختلفة، وأشكال التسريحات والإكسسورات المختلفة (يوجد بآخر الكتاب ملحق بصور الملابس والمسارح في هذا العصر) وطرق المكياج، ويتناول بالعرض عدد كبير من أهم المؤلفين والممثلين ومؤلفاتهم المسرحية ..
وفي بقية الأبواب يتناول تاريخ المسرح في ثلاثة دول لا غير، إنجلترا، فرنسا، إيطاليا، بهذا الترتيب، بدأ بالعصور الوسطى حتى القرن السادس عشر، ثم في الفترة ما بين القرن السابع عشر والثامن عشر، ثم التاسع عشر والعشرين حتى نهاية الحرب العالمية الثانية ..
ويبدأ الحديث في كل فصل عن المسرح في هذه الدول على تقديم نبذة عامة عن الحالة السياسية والفكرية والوقائع التاريخية والمذاهب الفلسفية التي ظهرت في الدولة (فرنسا - إنجلترا - إيطاليا) وقتذاك، ثم يعرض للتطورات التي حدثت في عمارة المسارح وفنون الإضاءة والخدع وأنواع المسارح المختلفة وتاريخها، وعن أنواع المسرحيات والمذاهب المسرحية التي تمثل فوق خشبة المسرح وأفكارها الأساسية، ويتحدث عن ذوق الجمهور وعاداته وميوله، وينهي الفصل بصفحات كثيرة عن أشهر المؤلفين حياتهم وأعمالهم وعن أشهر الممثلين والممثلات والمخرجين، وفناني المناظر، هكذا في كل فترة زمنية إلى أن ينتهي الكتاب ..
..
والكتاب غير مترجم من لغة أخرى، ولكن روح الترجمة في الكتاب ظاهرة وتكاد تزكم الأنوف، ليست ترجمة لكتاب واحد، وإنما لمجموعة من الكتب والمراجع خُلطت معًا ليخرج هذا الكتاب إلى الوجود، (في كتاب رسائل فارسية لمونتسكيو رسالة تهكمية تحدثت عن أولئك الذين يفعلون مثل هذا الصنيع عندما يرغبون في تأليف كتابٍ ما)، على أي حال حاولت أعدد مظاهر هذه الترجمة، فخرجت بهذه النقاط ..
1- الترجمات المضحكة لأسماء المسرحيات أتذكر منها اسم هذه المسرحية
(طق!، طق!، من هناك؟، الشرطة!)
Knock, Knock. Who's there? Police
ترجم knock
إلى فعل الأمر (أطرق!) وهي ترجمة قاموسية!
2- رغم أن الطبعة الأولى من هذا الكتاب صدرت عام عام 2002، إلا أنك ربما تعتقد أن يوجين يونسكو مازال على قيد الحياة رغم أنه حينئذ كان قد توفى منذ 8 سنوات!، هو والعديد من المؤلفين الذي ترك سنة وفاتهم مفتوحة بما يعني أنهم على قيد الحياة رغم أن أغلبيتهم ذهبوا إلى مثواهم الأخير منذ سنوات، فلو كان مهتمًا حقيقيًا بالفن المسرحي وبهؤلاء الأعلام، لعلم بوفاتهم في وقتها، بدلا من أن يعتمد فقط على ترجمة ما وجده في المراجع القديمة نقل أعمى!
3- أسلوب الكتاب اللغوي كان يسير على ثلاثة حالات، فأحيانًا تصبح لغته العربية متينة التراكيب وواضحة، وتارة تكون ركيكة، ومرة ثالثة تقترب من العامية في المعنى والأسلوب ..
ولا يحتاج الأمر الكثير، لندرك أنه في الحالة الأولى كان ينقل من الكتب العربية المؤلفة أو المترجمة في فن المسرح (أسماؤهم في قائمة المراجع)، إذن فالأسلوب المتين والواضح هو أسلوب المؤلفين أو المترجمين الآخرين
وفي الحالة الثانية، ندرك أنه يترجم من كتابٍ أجنبي ما، وأن هذه الفقرات ترجمة حرفية لما تحت يديه من المرجع الأجنبي دون هضم!
وفي الحالة الثالثة، يظهر المؤلف نفسه!، بمفرده، دون معين من مرجع أجنبي أو عربي!، ظهر أسلوبه الحقيقي أول مرة عندما تحدث عن (المقرعة) التي كان يستخدمونها في المسرح الإنجليزي قديمًا لإثارة الضحك، لأنها تصدر صوتًا عاليًا أثناء استخدامها، فظهر المؤلف وسط ركام هذه الترجمة ليقول أن هذا ما كان يفعله (فؤاد المهندس) في معظم مسرحياته وأن المقرعة كانت تصاحبه كثيرًا، والمرة الثانية عندما تحدث عن ذوق الجمهور في إحدى العصور فظهر صوته ليكتب هذه العبارة (مقولة الجمهور عاوز كده)، كتبها هكذا بالعامية فكانت نشاز في بيئتها المحيطة!، والمرة الثالثة عندما كان يتحدث عن أحد الخيمات المسرحية، ليظهر صوته فيقول (وهو ما نعرفه في مصر تحت اسم مسرح البالون)
...
وذهبت إلى المسرح (ولم أكن أنهيت الكتاب بعد) وعندما جلست أحسست أنني أعرف هذه المرة أكثر وأن المكان المسرحي من حولي ينطق بأسراره، بداية من ترتيب المقاعد والمسافة بين المنصة وأبعد كرسي ومكان الأوركسترا، وإضاءة الخلفية، وأن لبس الممثل لهذا الطربوش الكبير (أكبر من الحجم الطبيعي) ليس بسبب أن يثير الضحك أو المفارقة، وإنما هي قاعدة قديمة للغاية في الملابس والمكياج، في أن يكون حجم الملابس حجمها كبير وألوانها بارزة، وفي أن تكون كمية المكياج ثقيلة أكثر من الطبيعي، لأن ذلك كله من أجل الوضوح لأبعد مشاهد ليستطيع بسهولة رؤية الممثل وإنفعالاته وملابسه المميزة من مكانه البعيد!