“المستبد في لحظة جلوسه على عرشه و وضع تاجه الموروث على رأسه يرى نفسه كان إنساناً فصار إلهاً. ثم يُرجع النظر فيرى نفسه في نفس الأمر أعجز من كلُ عاجز و أنّه ما نال ما نال إلا بواسطة من حوله من الأعوان، فيرفع نظره إليهم فيسمع لسان حالهم يقول له: ما العرش؟ و ما التاج؟ و ما الصولجان؟ ما هذه إلا أوهام في أوهام. هل يجعلك هذا الريش في رأسك طاووساً و أنت غراب؟ أم تظن الأحجار البراقة في تاجك نجوماً و رأسك سماء؟ أم تتوهم أنَّ زينة صدرك و منكبيك أخرجتك عن كونك قطعة طينٍ من هذه الأرض؟ و الله ما مكَّنك في هذا المقام و سلطك على رقاب الأنام إلا شعوذتنا و سحرنا و إمتهاننا لديننا و وجداننا و خيانتنا لوطننا و أخواننا، فانظر أيها الصغير المكَّبر الحقير الموقّر كيف تعيش معنا!”
―
عبد الرحمن الكواكبي,
طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد