“في هذه الأثناء تطلعت إلى القمر ثانية، واجتاحني فجأة إحساس بخوف لايمكن التعبير عنه. شعرت كأنني كمن يسير في نومه، وقد استيقظ ووجد نفسه يتأرجح فوق سلك معدني على ارتفاع ألف قدم.
وبلغ بي الخوف حدّاً، شعرت معه كأنّ دماغي بدأ يتلاشى. وبدا ذلك الأمر صعب الاحتمال، وبذلت مافي وسعي لمقاومة ذلك وفهم أسبابه.
كان الخوف مرتبطاً بهذا العالم الذي كنت أحدق إليه، وبإدراكي أنّني كنت مجرد جسم في هذه الطبيعة. كان الأمر من الصعوبة بحيث لا يمكن إيضاحه. بيد أنّني فهمت فجأة أنّ البشر استطاعوا البقاء دون أن تختل عقولهم، لأنهم كانوا ينظرون إلى العالم من خلال وجهة نظرهم الشخصية.
كانت الأشياء تثير إمّا اهتمامهم أو خوفهم إلا أنّهم ظلوا يرونها وفقاً لشخصياتهم. فالخوف كان يجعلهم يشعرون بأنهم أقل شأناً، إلا أنّه لم ينفِ وجودهم نفياً تاماً.
ما يدعو إلى الغرابة أنّه ولّد تأثيراً مضاداً يعزز من إحساسهم بوجودهم الشخصي. أما أنا فقد شعرت فجأة وكأنني مسحوب خارج ذاتي، لكي أراها قطعة ضمن هذا المنظر الطبيعي الشامل وعديم الشأن، كصخرة أو ذبابة. وقد قادني هذا إلى المرحلة الثانية من التجربة وقلت لنفسي:" ولكنك بالتأكيد أكثر من مجرد صخرة أو ذبابة، بل إنك لست ببساطة جسماً من الأجسام. وسواء أكان الأمر وهماً أم لا، فإن عقلك يختزن معرفة العصور كافة. كما تحمل في أعماقك معرفة أكبر من تلك المعرفة الموجودة في المتحف البريطاني والمرصوفة فوق آلاف الأميال من رفوف الكتب".
كانت هذه الفكرة جديدة عليّ إلى حدٍّ ما وقد جعلتني أنسى المنظر الطبيعي وأبدأ النظر إلى أعماقي. وهنا طرح السؤال التالي نفسه: إذا كان المكان غير محدود، فما بالك بالمكان الموجود داخل الإنسان؟ لقد ذكر بليك أنّ الأبدية تبدأ من مركز الذرة. لقد زال إحساسي بالرعب وبدأت أدرك أنّني مخطئ في النظر إلى نفسي كجسم في الطبيعة الميتة.
كنت أفترض أنّ الإنسان محدود، لأنّ عقله محدود؛ غير أنّ الأماكن الموجودة داخل العقل ليست إلا آفاقاً جديدة وأن الجسد ليس إلا جداراً بين مطلقين؛ والمكان يمتد إلى المطلق باتجاه الخارج أما العقل فيمتد إلى المطلق نحو الداخل.
إنها لحظة الكشف ولحظة التبصر العارم.”
―
Colin Wilson,
The Mind Parasites: The Supernatural Metaphysical Cult Thriller