أسرار الكنيسة، ج1، المعمودية والميرون.. الأب كاليستوس وير
(ذاك الذي كان مخلصنا المنظور ساكن الآن في الأسرار). ليون الكبير، بابا رومية.
تشغل الأسرار مكاناً رئيسياً في العبادة المسيحية. ويقول القديس يوحنا الذهبي الفم متكلماً عن سر الشكر: (نسّميه سراً، لأن الذي نؤمن به ليس هو ما نراه تماماً، بل إننا نرى شيئاً ونؤمن بشيء آخر... فحينما أسمع أحداً يذكر جسد المسيح، أفهم معنى ما يقال على غير ما يفهمه من لا يؤمن) {المواعظ في الرسالة الأولى إلى أهل كورنثوس، 7، 1}. هذه الثنائية لما يُرى وما لا يُرى في كل سر مقدس هي خاصته المميزة. فالأسرار، كما الكنيسة، منظورة وغير منظورة، ويوجد في كل إشارة خارجية ونعمة داخلية. والمسيحي أثناء معموديته، يُغطّس بالماء الذي يغسله من أقذاره كما يغسله في الوقت نفسه من خطاياه. في سر الشكر، يتناول المرء ما يبدو أنه خبز وخمر، لكنه في الواقع يأكل جسد المسيح ودمه الكريمين.
الكنيسة في معظم الأسرار المقدسة، تستعين بالعناصر المادية – من ماء وخبز وخمر وزيت – وتجعَل منها أداة لنقل الروح القدس. بهذا المعنى تنطلق الأسرار من التجسد، حيث بالتجسد اتخذ المسيح لنفسه جسداً مادياً وحوّله إلى أداة تحمل الروح القدس. كذلك الأسرار تتطلع أو بالأحرى تدشن فداء المادة الأخير (واستعادتها) الذي سيحصل في يوم الدينونة.
وتتكلم الكنيسة الأرثوذكسية عادة عن سبعة أسرار:المعمودية، مسحة الميرون، سر الشكر، التوبة أو الاعتراف، الكهنوت، الزواج ومسحة المرضى.لو يجر تثبيت هذه اللائحة نهائياً إلاّ في القرن السابع عشر، بتأثير اللاتين الذي كان وقتئذ في أَوجِهِ. وقد كان الكتّاب الأرثوذكسيون قبل ذلك يختلفون اختلافاً كبيراً حول عدد الأسرار، فيوحنا الدمشقي يتكلم عن سرين فقط، وديونيسيوس الأريوباغي يحدثنا عن ستة، أما يوشافاط متروبوليت أفسس (في القرن الخامس عشر) فيذكر عشرة وهنالك عدد من اللاهوتيين البيزنطيين يتفقون على سبعة أسرار لكنهم يختلفون على نوعيتها. وحتى الآن لم يتخذ العدد سبعة أية دلالة عقائدية مطلقة في اللاهوت الأرثوذكسي، وهو لا يُستخدم في غالب الأحيان إلاّ من أجل تسهيل العليم الديني.
أما أولئك الذين يفكرون بمنطق (الأسرار السبعة) فعليهم أن يكونوا حذرين ويتجنبوا سوء الفهم الذي قد ينشأ عنه. أولاً، على الرغم من أن جميع الأسرار حقيقية، فإنها لا تتمتع جميعها بنفس الأهمية، وثمة تسلسل مراتبي لها. فسر الشكر مثلاً هو في قلب الحياة المسيحية على نحو مختلف عمّا هو عليه سر مسحة المرضى بالزيت. ومن بين الأسرار السبعة، تحتل المعمودية وسر الشكر مكانة خاصة.
ثانياً، حينما نتحدث عن الأسرار السبعة، فلا ينبغي لنا أن نفصلها عن أعمال أخرى تتخذ هي بدورها طابع الأسرار، أعني بذلك كل الخدم التقديسية، كارتداء الاسكيم الرهباني، وتبريك المياه في عيد الظهور الإلهي، وخدمة الجناز، ومسح الزيت عند تتويج الملوك، الخ... ففي جميع الخدم هذه، هنالك إشارة منظورة ونعمة روحية غير منظورة. والكنيسة الأرثوذكسية تستخدم أيضاً عدداً كبيراً آخر من الخدم التبريكية الصغيرة التي هي من طبيعة الأسرار المقدسة، كالصلاة على القمح والخمر والزيت والفاكهة، ومباركة الحقول والمساكن والأشياء المختلفة. لهذه الخدم الصغيرة ومعظم الأحيان هدف عملي واقعي، إذ توجد صلوات لتكريس السيارات والقاطرات وحتى من أجل القضاء على الديدان المؤذية. وليس ثمة فرق جذري بين الأسرار الأساسية وأفعال التكريس هذه، إذ يجب أن يُنظر للحياة المسيحية كوحدة، وكسر واحد كبير يجري التعبير عن مختلف جوانبه من خلال مجموعة من الصيغ والأساليب، بعضها يمارس مرة واحدة فقط في حياة الإنسان، والبعض الآخر قد يمارس كل يوم تقريباً.
والأسرار المقدسة تخص كل شخص بمفرده، إذ فيها يكتسب كل إنسان افرادياً نعمة الله ولهذا السبب يُسمّي الكاهن كل مؤمن باسمه الخاص عند ممارسة معظم الأسرار. فعند المناولة يقول الكاهن: (يُناول عبد الله (فلان) جسد ودم ربنا يسوع المسيح). وعند القيام بسر مسحة الزيت للمرضى يقول: (يا أبتاه القدوس... اشف عبدك هذا (فلان) من الأمراض النفسانية والجسدية المستحوذة عليه..). المعموديةفي الكنيسة الأرثوذكسية اليوم، كما في كنيسة القرون الأولى ترتبط الأسرار الثلاثة الخاصة بالدخول إلى الحياة المسيحية وهي المعمودية والميرون وسر الشكر، ارتباطاً وثيقاً بعضها ببعض. والأرثوذكسي الذي يصبح عضواً في جسد المسيح يتلقى في الحال جميع امتيازات هذه العضوية. فلا يقتصر الأمر على عمادة الأولاد في سن مبكرة، بل يُمسحون كذلك بالميرون كما أنهم يناولون جسد ودم الرب: (دعوا الأولاد يأتون إليّ ولا تمنعوهم لأن لمثل هؤلاء ملكوت السموات) (متى14:19).وهناك عنصران أساسيان في المعمودية: توسل اسم الثالوث، والتغطيس المثلث في الماء. يقول الكاهن: (يُعمَّد عبد الله (فلان) باسم الآب، آمين. والابن، آمين. والروح القدس، آمين!). وفي كل مرة يذكر فيها أحد أقانيم الثالوث القدوس، يغطّس الكاهن الطفل في جرن المعمودية، يغطّسه كلّه، وفي حالات خاصة يصب الماء على جسده كله. وإذا كان الشخص طالب المعمودية مريضاً بحيث تتعرض حياته للخطر من جرّاء التغطيس فيُكْتَفَى بصبّ الماء على جبينه. فيما عدا ذلك فإن التغطيس ليس بالشيء الذي يمكن إلغاؤه.والأرثوذكسيون يتطلعون بأسف إلى تخلي الكنيسة الغربية عن طقس التغطيس القديم واكتفائها بصب قليل من الماء على جبين طالب المعمودية. والتغطيس أساسي في نظر الأرثوذكسية (إلاّ في الحالات الاستثنائية) لأنه بدونه تنقطع الصلة بين الإشارة الخارجية والمعنى لداخلي، وتُفقد رمزية السر. المعمودية ترمز سرياً إلى الدفن والقيامة مع المسيح (رو 4:6- 5 وكولوسي 12:2). والإشارة الخارجية لهذا السر هي التغطيس في الجرن متبوعاً بخروج المعمَّد من الماء. فرمزية السر تستوجب إذاً التغطيس أو (الدفن) في مياه المعمودية ومن ثم (النهوض) منها.نحصل في المعمودية على غفران كل خطايانا الأصلية والحالية. ونحن (نلبس المسيح) إذ نصبح أعضاء في جسده، أي في الكنيسة. ومن أجل تذكر هذا اليوم يعلّق المسيحيون الأرثوذكسيون على العموم صلباناً صغيرة تتدلّى من أعناقهم.الأسقف أو الكاهن يتولى القيام بالمعمودية، وفي الحالات الاستثنائية يجوز ذلك للشماس أو لأحد العلمانيين شريطة أن يكون مسيحياً. وفي حين يوافق اللاهوت الكاثوليكي على معمودية لا يقوم بها إنسان مسيحي، فإن الأرثوذكسية لا تعترف بمعمودية كهذه. فالشخص الذي يُعمِّد لا بدّ وأن يكون قد تعمَّد. مسحة الميرونمسحة الميرون تلي المعمودية مباشرة. يتناول الكاهن الميرون ويمسح به أماكن مختلفة من جسم الطفل مع رسم إشارة الصليب: يبدأ أولاً بالجبين، ثم العينين، ثم الأنف، ثم الفم والأذنين، ثم الصدر، ثم اليدين والرجلين. وعند كل مسحة يقول: (ختم موهبة الروح القدس، آمين). والطفل الذي أصبح عضواً في جسد المسيح بالمعمودية، يتلقى بمسحة الميرون موهبة الروح القدس ويصبح (علمانياً) (Laikos) أي عضواً كاملاً في شعب الله (Laos tou Theou). فسر الميرون يتمم العنصرة، فالروح القدس الذي حلّ على الرسل على نحوٍ منظور وعلى شكل ألسنة نارية هو نفسه يحلّ بصورة غير منظورة على المعمَّد الجديد. بسر الميرون هذا، يتحوّل كل عضو في الكنيسة إلى نبيّ ويصبح شريكاً في كهنوت المسيح الملوكي. وجميع المسيحيين، لأنهم مُسحوا بالميرون، مدعوون لأن يكونوا شهوداً وأعين للحقيقة: (وأما أنتم فلكم مسحة من القدوس وتعلمون كل شيء) (1 يو 20:2).في الغرب، يتم (التثبيت) عموماً بواسطة الأسقف، أما في الشرق فيعطي سر الميرون بواسطة الكاهن، شرط أن يكون الميرون المستعمل قد كرّسه الأسقف. (وفق العرف الأرثوذكسي المتّبع، وحده الأسقف الذي يرئس كنيسة مستقلة يتمتع بامتياز تكريس الميرون). هكذا فإن الأسقف – سواء في الشرق أو الغرب – هو المُعنى بالسر الثاني المتعلق بالدخول في الحياة المسيحية، ويتم ذلك في الغرب بصورة مباشرة وأمّا في الشرق فبصورة غير مباشرة.ويُستخدم سر مسحة الميرون أيضاً في حالات المصالحة مع الكنيسة، أو الارتداد إليها. إذا جحد أحد الأرثوذكسيون ثم عاد إلى أحضان الكنيسة، عندها يمسح بمسحة الميرون من جديد. كذلك بالنسبة للكاثوليك الذين يهتدون إلى الأرثوذكسية، تعمد معظم الكنائس الأرثوذكسية في الشرق على العموم إلى مسحهم بالميرون عند قبولهم في شركتها. لكن الكنيسة الروسية عموماً لا تطلب إليهم سوى اعتراف إيماني ولا تفرض عليهم الميرون. أما الانجليكان وسائر البروتستانت فيُقبلون دائماً بواسطة سر الميرون.بعد تلقي مسحة الميرون بأسرع ما يمكن يُناول الطفل الأرثوذكسي دون النظر إلى سنه. وهو لا يتقدم إذاً للمناولة الأولى في سن السادسة أو السابعة (كما عند الكاثوليك) أو في سن المراهقة (كما عند الانجليكان).
تشغل الأسرار مكاناً رئيسياً في العبادة المسيحية. ويقول القديس يوحنا الذهبي الفم متكلماً عن سر الشكر: (نسّميه سراً، لأن الذي نؤمن به ليس هو ما نراه تماماً، بل إننا نرى شيئاً ونؤمن بشيء آخر... فحينما أسمع أحداً يذكر جسد المسيح، أفهم معنى ما يقال على غير ما يفهمه من لا يؤمن) {المواعظ في الرسالة الأولى إلى أهل كورنثوس، 7، 1}. هذه الثنائية لما يُرى وما لا يُرى في كل سر مقدس هي خاصته المميزة. فالأسرار، كما الكنيسة، منظورة وغير منظورة، ويوجد في كل إشارة خارجية ونعمة داخلية. والمسيحي أثناء معموديته، يُغطّس بالماء الذي يغسله من أقذاره كما يغسله في الوقت نفسه من خطاياه. في سر الشكر، يتناول المرء ما يبدو أنه خبز وخمر، لكنه في الواقع يأكل جسد المسيح ودمه الكريمين.
الكنيسة في معظم الأسرار المقدسة، تستعين بالعناصر المادية – من ماء وخبز وخمر وزيت – وتجعَل منها أداة لنقل الروح القدس. بهذا المعنى تنطلق الأسرار من التجسد، حيث بالتجسد اتخذ المسيح لنفسه جسداً مادياً وحوّله إلى أداة تحمل الروح القدس. كذلك الأسرار تتطلع أو بالأحرى تدشن فداء المادة الأخير (واستعادتها) الذي سيحصل في يوم الدينونة.
وتتكلم الكنيسة الأرثوذكسية عادة عن سبعة أسرار:المعمودية، مسحة الميرون، سر الشكر، التوبة أو الاعتراف، الكهنوت، الزواج ومسحة المرضى.لو يجر تثبيت هذه اللائحة نهائياً إلاّ في القرن السابع عشر، بتأثير اللاتين الذي كان وقتئذ في أَوجِهِ. وقد كان الكتّاب الأرثوذكسيون قبل ذلك يختلفون اختلافاً كبيراً حول عدد الأسرار، فيوحنا الدمشقي يتكلم عن سرين فقط، وديونيسيوس الأريوباغي يحدثنا عن ستة، أما يوشافاط متروبوليت أفسس (في القرن الخامس عشر) فيذكر عشرة وهنالك عدد من اللاهوتيين البيزنطيين يتفقون على سبعة أسرار لكنهم يختلفون على نوعيتها. وحتى الآن لم يتخذ العدد سبعة أية دلالة عقائدية مطلقة في اللاهوت الأرثوذكسي، وهو لا يُستخدم في غالب الأحيان إلاّ من أجل تسهيل العليم الديني.
أما أولئك الذين يفكرون بمنطق (الأسرار السبعة) فعليهم أن يكونوا حذرين ويتجنبوا سوء الفهم الذي قد ينشأ عنه. أولاً، على الرغم من أن جميع الأسرار حقيقية، فإنها لا تتمتع جميعها بنفس الأهمية، وثمة تسلسل مراتبي لها. فسر الشكر مثلاً هو في قلب الحياة المسيحية على نحو مختلف عمّا هو عليه سر مسحة المرضى بالزيت. ومن بين الأسرار السبعة، تحتل المعمودية وسر الشكر مكانة خاصة.
ثانياً، حينما نتحدث عن الأسرار السبعة، فلا ينبغي لنا أن نفصلها عن أعمال أخرى تتخذ هي بدورها طابع الأسرار، أعني بذلك كل الخدم التقديسية، كارتداء الاسكيم الرهباني، وتبريك المياه في عيد الظهور الإلهي، وخدمة الجناز، ومسح الزيت عند تتويج الملوك، الخ... ففي جميع الخدم هذه، هنالك إشارة منظورة ونعمة روحية غير منظورة. والكنيسة الأرثوذكسية تستخدم أيضاً عدداً كبيراً آخر من الخدم التبريكية الصغيرة التي هي من طبيعة الأسرار المقدسة، كالصلاة على القمح والخمر والزيت والفاكهة، ومباركة الحقول والمساكن والأشياء المختلفة. لهذه الخدم الصغيرة ومعظم الأحيان هدف عملي واقعي، إذ توجد صلوات لتكريس السيارات والقاطرات وحتى من أجل القضاء على الديدان المؤذية. وليس ثمة فرق جذري بين الأسرار الأساسية وأفعال التكريس هذه، إذ يجب أن يُنظر للحياة المسيحية كوحدة، وكسر واحد كبير يجري التعبير عن مختلف جوانبه من خلال مجموعة من الصيغ والأساليب، بعضها يمارس مرة واحدة فقط في حياة الإنسان، والبعض الآخر قد يمارس كل يوم تقريباً.
والأسرار المقدسة تخص كل شخص بمفرده، إذ فيها يكتسب كل إنسان افرادياً نعمة الله ولهذا السبب يُسمّي الكاهن كل مؤمن باسمه الخاص عند ممارسة معظم الأسرار. فعند المناولة يقول الكاهن: (يُناول عبد الله (فلان) جسد ودم ربنا يسوع المسيح). وعند القيام بسر مسحة الزيت للمرضى يقول: (يا أبتاه القدوس... اشف عبدك هذا (فلان) من الأمراض النفسانية والجسدية المستحوذة عليه..). المعموديةفي الكنيسة الأرثوذكسية اليوم، كما في كنيسة القرون الأولى ترتبط الأسرار الثلاثة الخاصة بالدخول إلى الحياة المسيحية وهي المعمودية والميرون وسر الشكر، ارتباطاً وثيقاً بعضها ببعض. والأرثوذكسي الذي يصبح عضواً في جسد المسيح يتلقى في الحال جميع امتيازات هذه العضوية. فلا يقتصر الأمر على عمادة الأولاد في سن مبكرة، بل يُمسحون كذلك بالميرون كما أنهم يناولون جسد ودم الرب: (دعوا الأولاد يأتون إليّ ولا تمنعوهم لأن لمثل هؤلاء ملكوت السموات) (متى14:19).وهناك عنصران أساسيان في المعمودية: توسل اسم الثالوث، والتغطيس المثلث في الماء. يقول الكاهن: (يُعمَّد عبد الله (فلان) باسم الآب، آمين. والابن، آمين. والروح القدس، آمين!). وفي كل مرة يذكر فيها أحد أقانيم الثالوث القدوس، يغطّس الكاهن الطفل في جرن المعمودية، يغطّسه كلّه، وفي حالات خاصة يصب الماء على جسده كله. وإذا كان الشخص طالب المعمودية مريضاً بحيث تتعرض حياته للخطر من جرّاء التغطيس فيُكْتَفَى بصبّ الماء على جبينه. فيما عدا ذلك فإن التغطيس ليس بالشيء الذي يمكن إلغاؤه.والأرثوذكسيون يتطلعون بأسف إلى تخلي الكنيسة الغربية عن طقس التغطيس القديم واكتفائها بصب قليل من الماء على جبين طالب المعمودية. والتغطيس أساسي في نظر الأرثوذكسية (إلاّ في الحالات الاستثنائية) لأنه بدونه تنقطع الصلة بين الإشارة الخارجية والمعنى لداخلي، وتُفقد رمزية السر. المعمودية ترمز سرياً إلى الدفن والقيامة مع المسيح (رو 4:6- 5 وكولوسي 12:2). والإشارة الخارجية لهذا السر هي التغطيس في الجرن متبوعاً بخروج المعمَّد من الماء. فرمزية السر تستوجب إذاً التغطيس أو (الدفن) في مياه المعمودية ومن ثم (النهوض) منها.نحصل في المعمودية على غفران كل خطايانا الأصلية والحالية. ونحن (نلبس المسيح) إذ نصبح أعضاء في جسده، أي في الكنيسة. ومن أجل تذكر هذا اليوم يعلّق المسيحيون الأرثوذكسيون على العموم صلباناً صغيرة تتدلّى من أعناقهم.الأسقف أو الكاهن يتولى القيام بالمعمودية، وفي الحالات الاستثنائية يجوز ذلك للشماس أو لأحد العلمانيين شريطة أن يكون مسيحياً. وفي حين يوافق اللاهوت الكاثوليكي على معمودية لا يقوم بها إنسان مسيحي، فإن الأرثوذكسية لا تعترف بمعمودية كهذه. فالشخص الذي يُعمِّد لا بدّ وأن يكون قد تعمَّد. مسحة الميرونمسحة الميرون تلي المعمودية مباشرة. يتناول الكاهن الميرون ويمسح به أماكن مختلفة من جسم الطفل مع رسم إشارة الصليب: يبدأ أولاً بالجبين، ثم العينين، ثم الأنف، ثم الفم والأذنين، ثم الصدر، ثم اليدين والرجلين. وعند كل مسحة يقول: (ختم موهبة الروح القدس، آمين). والطفل الذي أصبح عضواً في جسد المسيح بالمعمودية، يتلقى بمسحة الميرون موهبة الروح القدس ويصبح (علمانياً) (Laikos) أي عضواً كاملاً في شعب الله (Laos tou Theou). فسر الميرون يتمم العنصرة، فالروح القدس الذي حلّ على الرسل على نحوٍ منظور وعلى شكل ألسنة نارية هو نفسه يحلّ بصورة غير منظورة على المعمَّد الجديد. بسر الميرون هذا، يتحوّل كل عضو في الكنيسة إلى نبيّ ويصبح شريكاً في كهنوت المسيح الملوكي. وجميع المسيحيين، لأنهم مُسحوا بالميرون، مدعوون لأن يكونوا شهوداً وأعين للحقيقة: (وأما أنتم فلكم مسحة من القدوس وتعلمون كل شيء) (1 يو 20:2).في الغرب، يتم (التثبيت) عموماً بواسطة الأسقف، أما في الشرق فيعطي سر الميرون بواسطة الكاهن، شرط أن يكون الميرون المستعمل قد كرّسه الأسقف. (وفق العرف الأرثوذكسي المتّبع، وحده الأسقف الذي يرئس كنيسة مستقلة يتمتع بامتياز تكريس الميرون). هكذا فإن الأسقف – سواء في الشرق أو الغرب – هو المُعنى بالسر الثاني المتعلق بالدخول في الحياة المسيحية، ويتم ذلك في الغرب بصورة مباشرة وأمّا في الشرق فبصورة غير مباشرة.ويُستخدم سر مسحة الميرون أيضاً في حالات المصالحة مع الكنيسة، أو الارتداد إليها. إذا جحد أحد الأرثوذكسيون ثم عاد إلى أحضان الكنيسة، عندها يمسح بمسحة الميرون من جديد. كذلك بالنسبة للكاثوليك الذين يهتدون إلى الأرثوذكسية، تعمد معظم الكنائس الأرثوذكسية في الشرق على العموم إلى مسحهم بالميرون عند قبولهم في شركتها. لكن الكنيسة الروسية عموماً لا تطلب إليهم سوى اعتراف إيماني ولا تفرض عليهم الميرون. أما الانجليكان وسائر البروتستانت فيُقبلون دائماً بواسطة سر الميرون.بعد تلقي مسحة الميرون بأسرع ما يمكن يُناول الطفل الأرثوذكسي دون النظر إلى سنه. وهو لا يتقدم إذاً للمناولة الأولى في سن السادسة أو السابعة (كما عند الكاثوليك) أو في سن المراهقة (كما عند الانجليكان).
Published on June 01, 2019 10:20
No comments have been added yet.


