سمير سيف .. السينما فنا لا يلغي الترفية والمتعة الفرجوية

سمير سيف، صاحب 25 فيلما متنوعا وتجربة سينمائية، غادر عالمنا قبل أيام وهنا نحسٌُ أننا فقدنا أحد الرموز السينمائية العربية، أحاول في هذه الاطلالة أن نتوقف مع سمير سيف كسينمائي صاحب رؤية فنية لم تسقط عليه من السماء كما كان يقول بل تعب واجتهد وخاض تجارب ليطور تكوينه، لا نجد دراسات كثيرة عنه ولكن يمكننا أن نجد عدة حوارات معه ومن خلال هذه الحوارات نستكشف الكثير من المواقف والأفكار وقصص يحكيها بصدق دون مبالغات فلا تجده يكرر كلمة أنا وأنا ويقدم نفسه كشخصية خارقة كما يفعل البعض.
تحدث في أحد أحاديثه أن الفيلم الذي دفعه لحب السينما هو فيلم “صراع في الوادي” من بطولة فاتن حمامة وعمر الشريف وفريد شوقي، وفيلم “رصيف نمرة خمسه” كفيلم اكشن، تأثر سيف بأفلام رعاة البقر والسينما الهندية واليابانية ولكن الأفلام الأمريكية ظلت متعته الأولى.
كان يكرر أن السينما لا يمكن أن تكون مهنة ووظيفة لكنها طريقة حياة ورؤية، ففي حي شعبي هو حي شبرا كانت طفولته متشربة بالروح المصرية الخالصة النقية بكل بهجتها وضجيجها وتنوعها حيث كانت القاهرة تضم جاليات أوروبية وخاصة الايطالية واليونانية أي روح البحر المتوسط وهذه المنطقة لها ميزة أخرى بقربها من وسط البلد ومن المسارح ودور السينما التي عشقها سمير سيف في طفولته وصباه وزاد ولعه أكثر في شبابه المبكر مما يجعلنا نستنج أننا مع فنان تشرب السينما والفن والثقافة بشكل مبكر جدا.
سمير سيف من أصل صعيدي من اسيوط وكان يتردد على الصعيد والريف لعل هذا أيضا منحه ميزة مهمة فلم تكن المدينة فقط المنبع الوحيد لتكوينه الثقافي والفني وليس الشخص الذي كان منفصلا عن هموم الناس وأجلامهم وتلك البيئة منحته ممارسة هوايات عدة مثل ركوب الخيل وضرب النار وكذا كان يستغل الهدوء للقراءة والتأمل، كما أن اسيوط كان بها دور سينما فلم يكن سيف ينقطع عن المشاهدة السينمائية، تأثر أيضا بالرويات البوليسية والمغامرات بمعنى أن كل هذه العناصر كانت بمثابة المنجم الغني في تكوينه كمخرج سينمائي يميل إلى أفلام الاكشن والاثارة ممزوجة بهموم الواقع ولعل انتقاله من المدينة إلى الريف في العطل ثم عودته للمدينة وعند لقاءه بأصدقائه كان يروي لهم حكايات الريف ومشاهداته لقصص معارك وصراعات الناس حيث الصعيد بلد السلاح والثأر والموالد وهكذا كان يتفنن سيف في السرد وتميز أيضا بهواية حكاية القصص بطريقته الخاصة لروايات وأفلام أجنبية.
في مدرسة التوفيقية كان سيف متفوقا في الاعدادية والثانوية وأحب سيف اللغة الانجليزية ولعل هذا العشق منحه أيضا الاطلاع على كتب وروايات انجليزية.
قرر سمير سيف دخول معهد السينما رغم تفوقه الذي يتيح له دخول مجالات علمية أو اقتصادية، في أحد البرامج التلفزيونة يذكر مخرجنا الكبير أنه وهو في الثاني الاعدادي تكونت قناعته وإيمانه بالسينما ثم عرف وقرر أن يكون مخرجا سينمائيا والفضل يعود إلى كتاببن ظل يحتفظ بهما هما ( كتاب كيف تصنع الأفلام وكتاب تاريخ السينما في العالم)، هنا بحسب تعبير المخرج اتضحت الصورة ومفهومه للسينما وتغيرت توجهات قراءته بحيث كان يلتهم الكتب السينمائية.
في معهد السينما درس على يد أساتذة كبار منهم الويس عوض، صلاح طاهر، اسامة الخولي، وصلاح سيف وحلمي حليم وعمل كمساعد مخرج مع استاذه شادي عبدالسلام في فيلم “الفلاح الفصيح”، وهنا تحدث سمير سيف عن تأثيرات مخرج فيلم “المؤمياء” على تجربته الفنية وخاصة النزعة للتشكيل والارتكاز للصورة في المقام الأول.
شهدت الستينات نهضة سينمائية واستقبلت مصر كبار المخرجين الكبار مثل المخرج الايطالي روسليني الذي اقام دورات تدريبية.
عمل سيف مع المخرج يوسف شاهين في فيلم “الناس والنيل”ولعل هذا أيضا اكسبه ما تعني كلمة السينما كفن وانتاج ، كما عمل مع المخرج حسن امام بعدة أفلام أهمها “خلي بالك من زوزو”، “السكرية”، “حكايتي مع الزمان” و”أميرة حبي” وهنا تعلم سيف الاقتراب من الحس الشعبي.
كان لسعاد حسني منزلة كبيرة وكذلك صداقة مع علي بدر خان ومجموعة متميزة من الكتاب والمخرجين والنجم اثرها في أن يكبر حلمه ويترك بصمة ما في تاريخ السينما المصرية، وكانت سعاد حسني هي من قدمت سيف إلى حسن الامام وكان يعتبرها ايقونه السينما المصرية حيث أنها فنانة اخلصت لفنها ولم تفكر بمال ولا ثروة وهناك أسماء مهمة ظهرت في بداية مشوار سيف السينمائية مثل نور الشريف وكان فيلم “دائرة الإنتقام” مع نور الشريف وغامر نور شريف بانتاج هذا الفيلم وكانت مغامرة سينمائية محفوفة بالمخاطر وكان نجاح هذا الفيلم فاتحة خير ونقطة انطلاق مهمة.
عندما تحدث سمير سيف في بعض مقابلاته عن تلك الفترة فهو يتحفنا بحكايات جميلة حيث كانت السينما فنا جميلا وساحة ثقافية وفكرية، فنجوم تلك الفترة كانوا يتميزون بفهمهم للسينما وحبهم لها ولم تكن دائما الظروف الإنتاجية باذخة ومريحة.
كما حكى علاقته مع احمد زكي في فيلم “معالي الوزير” والذي يعتبر علامة مهمة جدا في تاريخ سمير سيف كمخرج واحمد زكي كممثل.
سلك سمير سيف طريق الكوميديا والاكشن وكانت صداقته بوحيد حامد جعلته يطرق أبواب الدراما التلفزيونية والتي ابدع فيها أكثر من 11 مسلسلا أهمها “اوان الورد”و “السندريلا”.
ومن اطروحات سمير سيف المهمة أن السينما هي متعة فرجوية مهمة وهذا لا يعني أن تتخلى عن الفلسفة والفكر والسياسة والثقافة أي يستطيع المخرج تطعيم وعكس رؤيته الفكرية والفلسفية وبقية العناصر ولكن لو قام واغلق باب الترفيه والمتعة بدعوى الفن فهو يلغي جزئية هامة من روح السينما التي ولدت ونمت وتطورت لتكون فرجة شعبية وكذلك لا يمكن أن تكون السينما صناعة وتجارة محضة كون هذا يفقدها عمقها الفني والإنساني وتتحول لشيء مختلف حتى أنها تفقد رائحة المتعة كلما اوغل صناع الفيلم لعمل فيلمهم من أجل المكسب فقط.
حميد عقبي's Blog
- حميد عقبي's profile
- 2 followers

