لماذا تجسّد الابن الوحيد؟ عن كتاب: مدخل إلى اللاهوت المسيحي؛ طرح تاريخي ولاهوتي لأهمّ عقائد الإيمان المسيحيّ.
إنّ الهدف لم يكن من أجل أن يُصلح الله مشكلة بين عدله ورحمته، ولا لكي يرفع عقوبة وضعها على البشريّة بسبّب خطيّة الواحد، بل أن يرفع نتيجة الشرّ الإنسانيّ الذي أثقل كاهله، ويُدمر سلاح الخطيّة الفعَّال الذي هو الموت. ويمكن أن نقول إنّ أسباب التجسُّد هيَ:أ- سداد الدين الذي وقع تحته الإنسان نتيجة فعل الخطيّة، وهو الموت.ب- محبّة الله دفعته كي يُخلِّص الإنسان الذي خلقه من براثن الموت الماديّ والروحيّ على السواء.فلم يكن الله واقعًا تحت ضرورة دفعته كي يتجسَّد، لا يُمكن أن نضع الله تحت ضرورة، الإنسان فقط لأجل ضعفه ومحدوديّته يقع تحت الضرورة والحتميّة، أمّا الله فهو فوق الكلّ ومالك الكلّ ولا يعسر عليه أمر. ولأجل محبّته للبشريّة تحرّك لكي يُخلِّصها من براثن الموت الذي كاد يدمرها، حيث:
1- اتخذ جسدًا ماديًّا، ووحده معه، أي صار خاصًا به، جسده الخاص بحسب تعبير القديس كيرلس السكندريّ، وفي هذا الاتحاد اتحدت وتصالحت طبيعتنا جميعًا مع الله، وما حدث قديمًا حين فارق روح الله الإنسان (تك6: 3)، تبدّل بالمسيح ليكون لنا برّ الله فيه، ويكون لنا به سلام مع الله (رو5: 1). وهذا ببساطة ما يدعوه الآباء بالتألُّه، فيقول العلامة أوريجينوس: ”صار مثلهم ليصيروا هم مثله، مشابهين صورة مجده (رو 8: 29). في مجيئه الأوّل صار مشابهًا لجسد تواضعنا (في 3: 21)، إذ أخلى نفسه وأخذ شكل العبد، حتى يدخل البشر إلى شكل الله، يجعلهم على شبهه“والقديس إكليمندس الإسكندري: ”صار كلمة الله (اللوغوس) إنسانًا حتى تتعلم كيف يصير الإنسان إلهًا“.[3]
وواضح بكلّ تأكيد أنّ ليس المقصود أن يصير الإنسان الله حرفيًّا بعيدًا عن نعمة الله المؤلهة، بل يجب أن يخضع الإنسان لله، وبخضوعه يُنير الله للجميع من خلاله، فيتأله، يصير إلهيًّا، له فكر الله، وفي طريقه للاتحاد الكامل مع الله في الأبديّة، وسوف نتحدث عن هذا الموضوع بتفاصيل أكثر في الفصول الأخير من هذا الكتاب.
2- بتعاليمه بدّل تعاليمنا المشوهة عن الله، وعن تعاملاتنا مع بعضنا البعض! فإذ هو صورة الله، وكامل إعلان الله عن ذاته، أعطانا معرفة بحياة الله، وبشخصه، وبمشاعره نحونا –إن جاز التعبير- حيث تعرّفنا على الله معرفة تفوق كلّ استنارة في العهد القديم، وكلّ رؤية حدثت قبل مجيئه، هُنا نحن نعاين الله ذاته، ويتكلم الله ذاته لنا في ابنه (عب1: 2)، هذا من جهة. ومن جهة أُخرى بدّل يسوع مفاهيمنا المشوّهة عن تعاملاتنا تجاه بعضنا البعض، فمثلًا في الخدمة بدلًا من أن يكون الخادم هو العبد، صار الخادم هو أعظم الكلّ، وإنّي أتوقّف كثيرًا أمام نص الإنجيليّ يوحنا حين يكتب:
”أَمَّا يَسُوعُ قَبْلَ عِيدِ الْفِصْحِ، وَهُوَ عَالِمٌ أَنَّ سَاعَتَهُ قَدْ جَاءَتْ لِيَنْتَقِلَ مِنْ هذَا الْعَالَمِ إلى الآبِ، إذ كَانَ قَدْ أحبّ خَاصَّتَهُ الَّذِينَ فِي الْعَالَمِ، أَحَبَّهُمْ إلى الْمُنْتَهَى.فَحِينَ كَانَ الْعَشَاءُ... يَسُوعُ وَهُوَ عَالِمٌ أَنَّ الآبَ قَدْ دَفَعَ كُلَّ شَيْءٍ إلى يَدَيْهِ، وَأَنَّهُ مِنْ عِنْدِ اللهِ خَرَجَ، وَإِلَى اللهِ يَمْضِي،قَامَ عَنِ الْعَشَاءِ، وَخَلَعَ ثِيَابَهُ، وَأَخَذَ مِنْشَفَةً وَاتَّزَرَ بِهَا،ثُمَّ صَبَّ مَاءً فِي مِغْسَل، وَابْتَدَأَ يَغْسِلُ أَرْجُلَ التَّلاَمِيذِ وَيَمْسَحُهَا بِالْمِنْشَفَةِ الَّتِي كَانَ مُتَّزِرًا بِهَا“. (يو13)
هُنا نرى يسوع، الذي يعلم من أين أتى، وإلى أي مجد يمضي، وأنّ كلّ قوة هيَ بين يديه، جلس يغسل أرجل التلاميذ، راكعًا أمامهم! هذا هو المفهوم الصحيح للخدمة والخادم، المفهوم الصحيح للسيّد والرّبّ واتباعه، إنّه يخدمهم لا يُخدم بهم.فمجيء الابن كان ليصوِّب لنا مفاهيمنا المشوّهة هذه.
في تفسيره على سفر نشيد الأنشاد يقول القديس غريغوريوس النيسي:” الذي جاء من الأعالي والذي هو فوق الجميع أرانا الطريق من خلال ظهوره في الجسد، فقد كان لنا مثالًا عاليًا لكل فضيلة وصلاح. وكما قال السيِّد المسيح: ”تعلموا مني، لأني وديع ومتواضع القلب“ (مت 11: 29). وقد تكلم الرسول في نفس الموضوع عندما تحدث عن التواضع، ودعوني أقرأ النص لأوضح الحقيقة العامة: يقول بولس ينظرون إلى أعلى ”فليكن فيكم هذا الفكر الذي في المسيح أيضًا. الذي إذ كان في صورة الله لم يُحسب خلسة أن يكون معادلًا لله. لكنه أخلى نفسه آخذًا صورة عبد“ (في 2: 5). لقد شاركنا حياتنا بالجسد والدم وبإرادته أخذ هذا“.3- بموته مات الموت، بموت الرّبّ ذُبِح الموت الذي ساد على البشريّة منذ آدم، دُمِّر سلاح الخطيّة الفعَّال، يشرح القديس أثناسيوس باستفاضة هذا الأمر في كتابه "تجسد الكلمة" قائلًا: ”وهكذا إذ اتخذ جسدًا مماثلًا لطبيعة أجسادنا، وإذ كان الجميع خاضعين للموت والفساد، فقط بذل نفسه للموت عوضًا عن الجميع، وقدمه للآب. كل هذا فعله من أجل محبته للبشر، أولًا: لكي إذ كان الجميع قد ماتوا فيه، فإنه يُبطل عن البشر ناموس الموت والفناء، ذلك لأن سلطان الموت قد استنفد في جسد الرب، فلا يعود للموت سلطان على أجساد البشر (المماثلة لجسد الرب). ثانيًا: وأيضًا فإن البشر الذين رجعوا إلى الفساد بالمعصية يعيدهم إلى عدم الفساد ويحييهم من الموت بالجسد الذي جعله جسده الخاص، وبنعمة القيامة يبيد الموت منهم، كما تبيد النار القش“.”افرحوا وتهلَّلوا يا جنس البشرلأنّه هكذا أحبّ الله العالمحتّى بذل ابنه الحبيب عن المؤمنين بهلإنّه غُلِبَ من تحنُّنِهوأرسل لنا ذراعه العالية“ثيوطوكية الإثنين
Published on December 21, 2019 03:17
No comments have been added yet.


