من السجن إلى رئاسة التحرير:لعبة الكراسي الموسيقية التي خلدت علاقة هيكل بمصطفى أمين
علاقة معقدة جمعت بين قمتين صحفيتين هما مصطفى أمين ومحمد حسنين هيكل، تراوحت بين بدء الحلم الصحفي معًا والصداقة الوثيقة وتحولت إلى عداء دامٍ واتهامات متبادلة بالخيانة والعمالة لأمريكا، كل منهما صاحب مدرسة فريدة في عالم الصحافة، حرمنا الخصام من جمعهما سويًا، لكن التاريخ لم يحرمنا من متعة النبش وراء قصتيهما معًا لصنع حكاية واحدة لبطلي الصحافة المصرية، ولشكل العلاقة بينهما. بدأت علاقة الأستاذين، مع بداية عمل هيكل في "آخر ساعة" والتي اشتراها الأخوين علي ومصطفى أمين من مؤسسها محمد التابعي وضماها لصرحهما "أخبار اليوم"، وبعد 5 أعوام من عمل هيكل في آخر ساعة، عينه الأستاذ علي أمين رئيسٍا لتحريرها ولم يزل في الثالثة والعشرين من عمره، وتطورت علاقتهما المهنية والاجتماعية والسياسية. إلى أن دخل طارئ جديد في علاقتهما وهو اندلاع ثورة يوليو وتربع جمال عبدالناصر على رأسها، والذي اختار هيكل ليكون أقرب الصحفيين إلى قلبه وبالتبعية أصبح إعلامي مصر الأول على الرغم من كون مصطفى أمين كان أحد أقطاب الصحافة وقتها، يذكر هيكل في كتابه "بين الصحافة والسياسة" أن علي أمين توسط له ليقابل الرئيس، وعند عرض الأمر على عبدالناصر وافق، ويضيف أنه عرض على عبدالناصر أن يشمل اللقاء أخيه مصطفى، لكنه رفض، دون إبداء أسباب. يضيف هيكل أنه أثناء لقاء له مع عبدالناصر طلب منه أن يتحفظ في حديثه مع مصطفى أمين، في هذه الأثناء كان هيكل يتقابل مع مصطفى بطريقة شبه منتظمة، يبررها بأنه كان يقدر الوحشة التي يشعر بها مصطفى إثر سفر أخيه التوأم إلى لندن لاعتماده مراسلا للأهرام بها، فكان يحرص على أن يتناولا الغداء سويا كل ثلاثاء. لطالما استعمل هيكل طريقة المحلل النفسي، اعتمدها في كتابه:"خريف الغضب" لتحليل شخصية الرئيس الراحل أنور السادات، وأنه يعاني من عقدة بسبب لون بشرته السوداء وأصل أمه الجنوبي، واحتقار عائلة أبيه لها، وكررها بحق صديقه القديم مصطفى أمين، فقال في حوارٍ قديم له إن "أمين" كان يظن أن لديه (أي هيكل) عقدة نقص تربوية واجتماعية. لكن هل شعور هيكل بالضآلة في عين مصطفى أمين كان سبب توتر علاقتهما أم الغيرة من توثق علاقة هيكل بالرئيس جمال عبدالناصر الذي اعتبره الأخير لم يبارك ثورته بما يكفي، وهي المعركة ذاتها التي دارت بين هيكل وموسى صبري لقربه من السادات. "سأقول لك الآن شيئًا أعرف أنه سيضايقك، لقد قبضوا على مصطفى أمين متلبسًا بالتجسس للأمريكان.." هذا ما قاله جمال عبدالناصر لهيكل، بحسب كلام هيكل نفسه، في مقابلة في بيت الأول بمنزله أثناء استعانته للأخير لكتابة خطاب سوف يلقيه في عيد الثورة، وطلب عبدالناصر من هيكل أن يعبر الشارع إلى المبنى المقابل حيث مكتب سامي شرف، سكرتير الرئيس للمعلومات، حتى يطلع بنفسه على الوثائق والتسجيلات التي تثبت عمالة مصطفى أمين، ولمدة خمس ساعات ظل هيكل يقلب في الوثائق ويستمع للتسجيلات، وبحسب وصفه: "دخلت مهمومًا وخرجت ممزقًا" فالمعلومات التي عرفها هيكل والتي وثقها في كتابه تفيد بأن مصطفى أمين كان يلتقي بشكل منتظم ومنفرد مع "بروس تايلور أوديل" وهو أحد رجال المخابرات المركزية الأمريكية ويعمل في مصر تحت ستار أنه مستشار لدى السفارة الأمريكية في القاهرة، كما ذكر أن الوثائق تثبت أنه كان يتلقى منه أمولا ويحولها لحسابات بنكية بالخارج، وكان يخطط لإخراج أمواله كلها خارج مصر.هيكل في كتابه يؤكد بين الحين والآخر أنه مذهول من الأمر، وأنه لا يصدق لكن المستندات لا تكذب، كما أنه يؤكد على استمرار علاقته الطيبة مع مصطفى أمين بعدها، فكان يزوره في السجن ويحضر له مستلزمات الكتابة وكذلك الأدوية ويتفقد أهله بين الحين والآخر، وهي العلاقة التي أنهاها مصطفى فور أن أصدر السادات عفوا عنه عام 1974 حيث طلب من ابنتيه قطع علاقتهما بهيكل، بحسب ما قالت ابنته "صفية" في حوار لها، كما يرصد مواجهته لمصطفى وعدم إنكاره للتهم، إنما كان يبررها بأنه يخاف على مصر والرئيس من انتشار الشيوعيين وتوغلهم. على الجانب الآخر يقول مصطفى أمين في كتابه: "سنة أولى سجن"، أنه كان ممنوعًا من الحبر الورق، حتى ورق التواليت، خشية أن يكتب عليه، ولم يكن مسموحا له بالكتابة سوى مرتين في الشهر لأسرته، وأن الخطابات التي كان يكتبها لأخيه علي أمين في لندن وصديقه سعيد فريحه في بيروت، كان يتم تهريبها عن طريق بعض المساجين، وأنه على عكس ما قال هيكل بأنه لم يتعرض للتعذيب، فإنه يذكر منعه من الطعام والشراب، حتى أنه اضطر للشرب من ماء الاستنجاء ومرة أخرى اضطر إلى شرب البول، إضافة إلى تعرضه للضرب وإطلاق الكلاب عليه. في فبراير 1974، صدر أمر من الرئيس السادات بالعفو عن مصطفى أمين، لتبلغ الخلافات بين السادات وهيكل أشدها ويُعفى هيكل من رئاسة الأهرام، وتتولى العائلة الصحافية "أمين" زمام الأمور بها، ويتبادل الأستاذان الكراسي فخرج "أمين" ودخل "هيكل" السجن لأول مرة ضمن حملة اعتقالات مايو الشهيرة، لكن هذه المرة فإن مصطفى أمين لم يزره ولم يقدم له لا طعامًا ولا دواءً.
Published on February 17, 2020 02:03
No comments have been added yet.


