ذاكرة البحر
© Ahmad Eddeebكنت أسير في طريقي المعتاد ذلك اليوم، إلا إنني عندمامررت بالبحر شعرت أنه مختلف. هل حقا كان يبدو مختلفا أم أن رؤيتي له هي التي تختلفتبعا لإحساسي؟
وقفت أتأمله برهبة. كانالجو عاصفا، إلا أن البحر كان يبدو في أبهى حالاته، كلوحة من ثلاث درجات من الأزرقتغطيها السماء بدرجتها الرابعة، ويتخلل هذه الزرقة سحب وأمواج بيضاء تزيد اللوحةسحرا و تناغما.
أنظُر للبحر طويلا فيغمرنيالاسترخاء، وأنسى الجو العاصف من حولي. وعلى الرغم مني، أغوص في ذكرياتي، فتأتينيذكريات لطالما اعتقدتُ أني نسيتُها، أو أخرى جاهدتُ كثيرا لأنساها.
أبُث للبحر بأفكاري فيصمت. لكم أنت غريب أيها البحر! منذ آلاف السنين تستمع إلى حكاياتنا وأفكارنا. تشهدمعنا حيواتنا، أفراحنا ومعاناتنا، إلا إنك ما زلتَ جميلا ساحرا مهيبا. لكم أتفهَّم ثورتك من حين لآخر عندما تؤلمك كل هذهالذكريات. ترى كم من شخص وقف في هذه البقعة قبلي ليحدثك كما أفعل الآن؟
**********
وقف الإسكندر على شاطئالبحر في هذه المنطقة النائية من أرض مصر ينظر إلى الأفق البعيد مفكرا في الشاطيءالآخر، وعلى الرغم منه خرجَت زفرة تحمل بعضا من آلامه التي يحاول جاهدا طردها.
تأمل المياه مأخوذا بصفائهاولونها العجيب. فعلى الرغم من طول رحلاته قبل أن يصل إلى مصر، إلا إنه لم يَرَ فيمثل بهاء هذا الشاطئ. نظر للمياه مليا وزفر ثانية وهو يتذكر النصر الذي حققه حتىالآن منذ أن بدأ حربه هذه ضد الفرس. كم يتوق للعودة إلى مقدونيا ويشتاق إلى حياتهالتي كانت! مازال يذكر إطراءات أرسطو معلمه الخاص وتنبؤاته له بمكانة عظيمة وسطعلماء البلاد. لكن الأقدار لا تأتينا دائما بما نبتغي، فها هو قائد جيوش في حرب لايعلم لها آخِر.
وعلى الرغم من انتصاراتهإلا إنه ما زال يتوق للعودة. يستزيد دائما من الانتصارات علها ترضيه، بلا فائدة. وبكلما يحمل في أعماقه من حنين للشاطئ الآخر، تلفَّت حوله متأملا تلك المنطقة وفكَّر: ربماتكون هذه المنطقة هي حلقة الوصل بيني وبين بلادي. لأنشئ عاصمة جديدة لمصر هنا، لتحملدائما اسمي وذكرياتي.
**********
وقف أرشميدس على شاطئ البحر دون أن يحِّرك ساكنًا لِمايقترب من الساعة، حتى ليخيل لمن يمر أنه مجرد تمثال، إلا إن أهالي البلدة كانوا قداعتادوا منه مثل هذه التصرفات العجيبة، فلم يعد أحد يعبأ بذلك.
و على الرغم من الهدوءالبادي على وجهه، كان عقله يعمل بجنون طوال هذه الساعة، حتى إنه لم يلحظ جمالالبحر ذلك اليوم، والذي كان دائما سببا لاسترخائه و إلهامه كلما واجهَته معضلة ما.
كان ما طلبه منه الملك هذهالمرة غريبا. كان يريد منه أن يؤكد له إن كان تاجه الجديد قد صُنع من الذهب الخالصدون أن يُخلط بالفضة. فقد كان يشك في الصائغ الذي صنعه، وكان يريد من أرشميدس أنيكشف ذلك دون أن يتلف التاج. ويا له من طلب: التاج أو رقبته!
نفض رأسه بعنف شاعرابالغضب لعجزه عن الوصول لأي حل، و قال صارخا: ألن تساعدني هذه المرة أيها البحر؟أين ذهبَت كل أفكارك و أفكاري؟
استمع الى صوت الامواجالمتلاطمة وهي تجيبه في لامبالاة، و هز رأسه و استدار عائدا إلى بيته.
**********
تأملَت كليوباترا السفنالتي ترسو على شاطئ البحر بأسى. لَكَم تبدو كوحوش تجثم على قلب المدينة الرقيق،خاصة بعد الخراب الذي حل بالمدينة وأودى بأكثر معالمها جمالا.
وعلى الرغم من الدمارالمحيط لم يفُت كليوباترا أن تلحظ البحر في ذلك اليوم، والذي بدا كأروع ما يكون، وهويتلألأ بزرقة صافية تميل إلى الأبيض في مشهد لم ترَ مثله من قبل، متحديا كل مافعله البشر في حقه وحق المدينة.
نظرَت إليه طويلا ثم بدأتتحدِّث نفسها في خفوت، أو لعلها كانت تتحدث إلى البحر: لا توجد حرب بلا خسائر،وأنا لم أكن أريد شيئا مثلما أردتُ أن أستعيد عرش مصر الذي سلبه مني ذلك الغبيبطليموس. ربما فقدَت المدينة الكثير من روائعها، ولكن ما زال لديها الكثير لتقدمهلي.
**********
كان الجو في ذلك اليوم منأيام الشتاء عاصفا، والسماء ملبدة بغيوم لا تنتهي، وكان البحر ثائرا لا تتوقفأمواجه عن التخبط عند الشاطئ. إلا إن هذا لم يفت في عضد الشيخ سيد الذي كان يجلسعلى الصخور يدندن بصوته العذب:
يا فؤادي ليه بتعشق الحبيب قاسي عليَّا
قلبه ظالم لو بيشفق أناصابر ع الأسِيَّا
خايف أشكي من صدوده يفرحواعُذَّالي فيَّا
وعلى الرغم من غنائه الذيكان قد بدأ يعلو، إلا إن باله كان مشغولا بأمر آخر.
كان هذا اليوم هو بدايةمرحلة جديدة في حياته المليئة بالمراحل المختلفة، فلقد جاء إلى البحر مودعا، حيث إنهسينتقل إلى القاهرة للعمل بفرقة الشيخ سلامة حجازي، وهو ما كان حلما أكبر من أنيتخيل تحققه.
كانت نفسه تعج بالفرحة والحماسة والأمل، فنظر إلى البحر الثائر مليا وقال: قد لا أراك لفترة طويلة، إلا إنك ستكون معي بألحانك، في ألحاني. ثم ارتفع صوته بالغناء ثانية:
يا حبيبي جُد بنظرة يكفى تيهك والدلال
من بعادك ذاب فؤادي إمتىأفرح بالوصال
قلبي حَبَّك وانت عارف إنيمغرم بالجمال
**********
على الرغم من أن الإحتفالات كانت قائمة بطول البلاد،إلا إن مَن كان موجودا في تلك المنطقة من شاطئ البحر كان يشهد وضعا معاكسا تماما.فقد كانت مراسم الترحيل والوداع جنائزية أكثر منها عسكرية أو رسمية.
وقف الملك فاروق ينظر إلىالجمع الذي جاء ليشهد لحظات خروجه بكبرياء، ثم أدار بصره إلى البحر ينظر إليهللحظات قد تكون الأخيرة. كان يراقب الموقف بجمود حتى ليكاد يجزم كل مَن حوله بأنالأمر لم يؤثر فيه بشيء. إلا إن الحسرة والحزن اللذين يعصفان بكيانه كانا أهمأسباب ذلك الجمود.
كان ما زال مشدوها، لا يصدِّقأن هذا كله قد حدث له، وفي هذه الفترة الوجيزة. كم هي غريبة هذه الحياة! كان أمسالملك، واليوم صار مطرودا يبحث عن ملجأ!
نظر إلى البحر مرة أخرىبشوق، ودخل إلى الباخرة.
**********
أشعر بالماء يغمر وجهي بلامقدمات. فأفيق من برودة الذكريات لأنتبه إلى برودة الجو التي اشتدت من حولي. أرفعوجهي إلى السماء لأجدها قد بدأت تمطر، و يشتد المطر غزارةً مع كل لحظة تمضي.
أضم يديَّ لعلي أجد بعضالدفء، وأبدأ في السير ببطء لأعود إلى طريقي.
وقبل أن يصبح البحر بعيداعن مرمى بصري، استدرتُ أنظر إليه بابتسامة ممتنة، لعله يحفظ لي في ذاكرته هذااليوم، وهذه اللحظة.
**********
15/03/2010
رضوى عامر's Blog
- رضوى عامر's profile
- 4 followers

