خولة مقراني > Quotes > Quote > Noura liked it

“تَتقدم فتاة في اتجاه طاولة يتيمة في شِبْه مقهى غير مُصَنَّف. تُلْقِي بحقيبتها أرضًا، تَجلس، وتُطلق تنهيدة طويلة تَطرد عن سطح الطاولة ما عَلِقَ به من غبار وتُخَفِّف عن الروح ما آلَتْ إليه مِن شتات.
كانت ملامحها أشبه بقطرةِ حِبرٍ هائمة في ثنايا ذاكرة صفحة بيضاء أَجْهَزَ الشتاتُ على سطورها المترَنِّحَة الموشومة بصبّار الصبر ولعنة الخواء، أو كقطرة ماءٍ تحتضر في صحراء لم تَعرف يومًا معنى الرواء. وكان هدوء المكان يُداعِبُ فُصولَ ذاكرتِها الْمُتْعَبَة، الضّوء الخافِت، الطاولة الأخيرة...
على بُعدِ طاولتين، مجموعة من الفتيات يلتففن حول شمعةٍ، ينفخن فيها بنَفَسٍ عنيف علّها تنطفئ. فكان وهجها يخفت ويخفت حتّى صار باهتًا يعقبه سديم مِن الدخان، يُطلقن ضحكاتٍ مقيتة ويُغادرن المكان.
مِن الجانب الآخر شرودٌ عميقٌ يطوّق الفتاة التي كانت ترقب الشّمعة من بعيد بعينين قد خفت فيهما ألَقٌ كان متوهجًا!
تَلْتَقِطُ حقيبتَها، تَضَعُها على جانب الطاولة، تَفتحها، تَتَحَسَّسُ عُلْبة صغيرة تُخرجها، ثم تَترك الحقيبةَ مفتوحة جانبًا، تَستخرج عودَ ثقاب وتَستخدمه لإشعال الشمعة قبل أن تبلغ احتراقها الأخير.
طوّقَت فتيلها بيديْن مُترتجفتين وراحت تراقب اشتعالها ببطء، كانت أصابعها تذُوب كمُكَعَّبِ ثَلْجٍ، إلاّ أنّ لَهَب المسافة قد أنعشَ روحهَا من جديد.”
خولة مقراني

No comments have been added yet.