Goodreads helps you follow your favorite authors. Be the first to learn about new releases!
Start by following Hussein Mahran حسين مهران.

Hussein Mahran حسين مهران Hussein Mahran حسين مهران > Quotes

 

 (?)
Quotes are added by the Goodreads community and are not verified by Goodreads. (Learn more)
Showing 1-30 of 45
“لكن عندما تظلم السماء وتشتد برودة الليل ووحشته كانت كل أم تحتضن صغيرها بكل جوارحها، كأنما تعيده إلى داخل أحشائها جنينًا لعل ذلك يحميه من هجمات الألم الشرسة، يغفو الجميع، حتى الصغار ينهكهم الألم فيرحمهم الله بشيء من الوسن، وتبقى الأمهات وحدهنّ، تظل عيونهنّ معلقة بأبواب السماء لعلها تُفتح لدعائهنّ في ساعة مباركة، لا تنقطع ابتهالاتهنّ ولا تجف دموعهنّ، يقضّ مضاجعهنّ انتظار المجهول، ترتعد كل أم من هاجس أن يكون صغيرها هو من سيُنقل جسده غدًا إلى ذلك القبو البارد المخيف حيث توجد ثلاجة الموتى”
حسين مهران, كومبارس متكلم
“هل يستيقظ بعد كل ذلك فيجد نفسه جالسًا في جلبابه الصعيدي على "الدكة" الخشبية أمام بيت جده يقاوم الملل والنعاس كرفاق طفولته الذين آثروا حياة أجدادهم فلم يغادروا الحقول ولم يشاهدوا أضواء القاهرة ولا أبراج دبي؟”
حسين مهران, كومبارس متكلم
“تحولت الإشارة إلى الضوء الأخضر، انتبه فجأة إلى أنه لم يكن ينتبه، وفاجأه ذلك كثيرًا، مرّت عليه أخبار الاشتباكات في القاهرة كما لو كانت لا تعنيه، انتبه لحقيقة أن "الوطن" قد اختُزل رغمًا عنه في كلمات مقتضبة من عناوين أخبار يتابعها بربع عقله في انتظار إشارة مرور في بلاد غريبة”
حسين مهران, كومبارس متكلم
“يدق قلبه وهو يتفحص المنتجات المتراصّة على رفوف الهايبر ماركت عندما يصادف وعاءًا من المربى أو علبة عصير أو بعض الفاكهة المستوردة من مصر، يشعر كأنه هو صانعها ويكاد يقف مهللًا كالباعة في الأسواق الشعبية داعيًا الناس إلى شرائها، يكاد يستوقف المتسوقين الأجانب ويقول لهم انظروا، هل تذوقتم الجوافة المصرية من قبل؟ لا مثيل لها، أتشمّون رائحتها؟ هذه المنسوجات من القطن المصري، إنه الأجود في العالم، المربى المصرية بنصف ثمن مثيلتها السويسرية ولا تقل عنها في الجودة، صدقوني!”
حسين مهران, كومبارس متكلم
“كان هدفهم الوحيد هو الحشد، فقط الحشد، أي حشد وبأي شكل ومن أي نوعية، كان هاجسهم الأكبر هو فقدان الحشود التي قادوها بالصدفة البحتة يومًا ثم انصرفت عنهم بالتدريج عندما لم يعد لديهم ما يقنع تلك الحشود باتباعهم، لماذا غضبوا إذًا عندما استخدم الآخرون سلاحهم؟ تمتلك تلك الجماعة العتيدة بتنظيمها العنقودي الضارب في جذور المجتمع قاعدة جماهيرية ضخمة، تعرف قيادتها كيف تجمع الناس وتحركهم دون حتى أن يشعروا أنهم مسيّرون، لقد صارت ميزة الحشد في يد تلك الجماعة الآن فلماذا غضب الثوريون؟ ألم يضعوا هم تلك القاعدة التي تنص على أن الأمر لمن معه الحشد وأن الغلبة لمن صوته أعلى؟”
حسين مهران, كومبارس متكلم
“لم يقل لهم هؤلاء الدعاة من أين جاءت كل تلك الأموال وكيف كان حال البلدان التي يأتي منها الخراج، هل كانوا ينثرون القمح على رؤوس جبال الشام وخراسان ومصر والمغرب كذلك؟ هل خلت أصفهان وصنعاء والقيروان من الفقراء كما خلت منهم عاصمة الخلافة؟ كم من أبناء تلك البلاد قتلته جيوش الخليفة؟ وكم من المسلمين قُتلوا في حروب بين المسلمين؟”
حسين مهران, كومبارس متكلم
“نفض عن ثيابه الرخيصة خليط التراب والأوحال الذي لطخها لكنه لم يستطع أبدًا نفض الأوحال عن روحه التي انكسرت يومها كسرًا لا إصلاح له، ما زال طعم الإهانة التي لحقت به يومها في حلقه، ما زالت آثار أصابع ذلك الجندي الريفي الذي صفعه غائرة في وجهه وإن لم يرها غيره، كان الجندي يصفعه ليخفي خوفه هو ذاته، كان ذلك الجندي البائس أشد خوفًا من الأصدقاء الثلاثة الذين قادهم حظهم العاثر إلى التواجد في ذلك الشارع في ذلك اليوم التعيس”
حسين مهران, كومبارس متكلم
“لم ينتبه لغيابه أحد إلا عندما لاحظ بعض أساتذة الكلية اختلافًا ما في طعم قهوتهم أو في شكل الكوب الذي قُدمت إليهم فيه، عندما سأل بعضهم عن الرجل الذي يعرف كيف يصنع القهوة قيل لهم ببساطة: مات”
حسين مهران, كومبارس متكلم
“ينظر للشباب اليافع الممتلئ حماسًا لأي شيء بمزيج من الإشفاق والحسد، حتى مواقفه السياسية أصبحت أهدء وأقل راديكالية، أصبح يتقبل الحلول الوسطية، بل ويفضّلها، صار يقيّم المواقف من بعيد ولا ينشغل بالتفاصيل، تزعجه كثيرًا مناقشة التفاصيل، باختصار لم يعد في هذا العالم ما يثير دهشته، وما أدراك كيف هو فقدان الدهشة”
حسين مهران, كومبارس متكلم
“بعض الناس أوغاد بالفطرة، هكذا ولدتهم أمهاتهم، إنهم حتى لم يبذلوا جهدًا ليصبحوا كذلك”
حسين مهران, كومبارس متكلم
“لقد أصبحتُ غريبًا بالكامل عن هذا البلد، وذلك إحساس بالغ القسوة لو كنت تدرك ما أقصد، أستقل سيارة أجرة فلا يمكنني تخمين حدود ما يجب أن أدفع، لا أعرف سعر زجاجة الماء أو عبوة المياه الغازية، ولا أستطيع حتى أن أخمن ذلك لأنني عندما غادرت هذه المدينة كانت الورقة ذات العشرة جنيهات ما زالت تعتبر مبلغًا ذا قيمة”
حسين مهران, سنوات الثقب الأسود
“هذه بلاد باردة بلا تاريخ، أقدم شيء هنا لا يتعدى عمره المائة عام، وكل شيء هنا يبدأ من الصفر، بدءًا بدرجة الحرارة على مقياس فهرنهايت وحتى التراث والرياضة والفنون والعادات والتقاليد، عليك أن تخلع ثقافتك وماضيك وذاكرتك على بوابة القادمين في مطارها الدولي كما تخلع نعليك عند الوادي المقدس، فهنا ستقابل إله الحضارة الغربية، وعلى هذه الأرض الموعودة سينعم عليك بحياة جديدة منزوعة الدسم وخالية من السكريات والدهون، حياة غربية على طراز العالم المتحضر تنسيك ما عرفته من حياة بائسة في ذلك الجانب المظلم من العالم الذي أتيت منه، ذلك الجانب الغامض المبهم من الكرة الأرضية حيث ما زال البدائيون يمتطون ظهور البعير ويتعاطون الخرافات ويقضون نهاراتهم في مطاردة قطعان الأغنام الشاردة وسط كثبان رمال الصحاري.”
حسين مهران, سنوات الثقب الأسود
“كان باب الشرفة الطويل ذو الضلف الخشبية الأربع التي تشقق دهانها الأخضر القديم يفصل بين عالمين متضادين، كان يفصل في الحقيقة بين حياة وموت، كان يقضي ساعات في تأمل أعمدة الضوء الرفيعة المتوازية التي نجحت شمس النهار في تهريبها من عالم الحياة في الخارج إلى عالمه الميت عبر الفتحات المائلة التي تتخلل الشيش المغلق، تخترق أشعة النور الرفيعة ظلام الغرفة في فضول كأنما يرسلها من الخارج مستكشفون يبحثون عن كشف أثري مدفون، يكاد يقوم من مكانه لينصحهم ألا يضيعوا وقتهم فلا شيء مما يبتغونه هنا، لا ذهب الفراعين ولا سيوف المماليك، لا شيء بالداخل إلا الموت والفقد والوحدة”
حسين مهران, كومبارس متكلم
“لم يدرك أي من الرجلين كم مر عليهما من الوقت ساكنين، متواجهين، محدقين في وجه أحدهما الآخر، كانا خارج المكان والزمان معًا، يجاهد كل منهما لكي يستوعب حقيقة الأمر، كان كل منهما يقف أمام نفسه، كان كلاهما ياسين عمران ذاته، كان كل منهما ينظر إلى نفسه في هيئة رجل آخر، يمكن لكل شخص بالقطع أن يتعرف على صورته عندما يراها في مرآة، لا يمكن لأحد أن يخطئ نفسه، لذلك كان كل منهما على يقين كامل بأنه ينظر إلى نفسه، لا إلى شبيه له أو توأم أو مستنسخ، بل إلى نفسه بذاتها، وكان ذلك ما تركهما ذاهلين كأنما كان كل منهما يحدق في وجه ملك الموت”
حسين مهران, سنوات الثقب الأسود
“إن أقسى ما في الحياة هو منتصفها، فلا أنت في البدايات حيث الدنيا بأسرها أمامك ولا أحد معلّق برقبتك والأحلام مجّانية، ولا أنت قرب النهاية متقاعدًا بلا التزامات تستنشق نسمات الحكمة وتنظر للماضي كفيلم سينمائي متكامل وتستعد للرحيل، بل أنت في منتصف الفيلم الذي تقوم أنت نفسك فيه بدور البطولة، لا يمكنك العودة للخلف لتغيّر مسار الأحداث، لا يمكنك التغيير إلا من النقطة اللي أنت متوقف فيها بالفعل، ولا تعرف كيف تفعل ذلك، أو ربما لا تجرؤ”
حسين مهران, كومبارس متكلم
“نظر إليها ثم رفع نظره للسقف متأملًا حلقات الدخان، وسرح بذهنه بعيدًا، ثم بدأت الكلمات تنساب من بين شفتيه، حكى لها كثيرًا، أفصح عن أشياء لم يكن يدرك أنه يتذكرها، تفاصيل دقيقة من طفولته، ومن مراهقته وشبابه، بل وحتى من كهولته، جروح قديمة، ذكرى إحباطات وفرحات، ومضات خاطفة لكنه يذكرها بالتفصيل، ما بين إحساس الفقد في طفولته، وإحساس العجز والإحباط في شبابه، ما بين الأحلام المجهضة والحب الضائع، والشغف الذي فتر، ومشاغل الحياة التي استعبدته حتى شاب شعره وتفلتت السنون من بين يديه، بكى كثيرًا، بكى عندما سمع وقع الكلمات التي لم ينطق بها لسانه من قبل، كان كل ذلك مدفونًا بداخله، ولكنه ينطق به للمرة الأولى، تسمعه أذناه للمرة الأولى، ولم يكن ذلك بالأمر السهل عليه”
حسين مهران, باب الدنيا
“ثم رحل أبوه بعيدًا، رحل إلى وادي الرجال الأقدمين، هناك حيث توجد مدافن العائلة على أطراف الرمال اللانهائية قرب بلدته النائية في أعماق الصعيد، حيث أمضى طفولته وصباه في أزمنة سحيقة مع تلك الشخصيات الغامضة، أولئك الذين كانت تلتمع عيناه بالشغف حين كان يذكر حكاياته معهم، أولئك الذين كان يتحرق شوقًا للحاق بهم، فقد ياسين سنده الأول وملاذه الوحيد، لكن لعله خير، لعله الآن مستبشر، لعله الآن يتسامر مع رفاق صباه الذين سبقوه إلى هناك ويحكي لهم كيف تبدلت الأيام، وكيف عاد إلى رحابهم القديم من دنيا لم تعد تعرفه ولم يعد يعرفها، كيف فارق هواءًا لم يعد عالقًا به من رائحة الأيام الحلوة إلا ذكريات، وكيف أن تلك الجدران ما عادت تذكره، وكيف طُمست جدران الأمس بطبقات فوق طبقات حتى لم تعد تراه، ولم تعد تبتهج لحضوره مثلما اعتادت، وكيف صار له أحباب على الضفة الأخرى أكثر مما له على ضفة الدنيا، لعله الآن يمرح، يتسلق النخل الشاهق على ضفاف النهر كما اعتاد أن يفعل وقت أن كان هناك نخل ونهر”
حسين مهران, سنوات الثقب الأسود
“لكن الجدران هُدمت ولم يعد من ساتر، باتت حيوات تلك البنات مكشوفة، لا أمام المتلصصين فقط بل أمام كل العابرين، كل المارة في سياراتهم الخاصة أو في الحافلات، كل الواقفين في انتظار شيء ما، وكل المتسكعين بلا هدف، يمكن لأي شخص أن يرى جدار غرفتها وأن يتفرس في فراشاتها القرمزية، لم تعد تلك الفراشة الصغيرة تحمل اسمها هي، بل صارت مشاعًا لكل من مر أمامها، لم يعد حزن سلمى الدائم سرًا، ولم يعد اللون البنفسجي الزاعق في غرفة نعيمة يخصها وحدها، بل صار يخص آخرين لا تعلم نعيمة عنهم شيئًا، ولم تتصور في يوم من الأيام أن يتفحصوا لون جدار غرفتها وأن يتبادلوا التعليقات حوله، كانت ترى فراشاتها تحاول الطيران، وكانت تسمع قهقهات أطفال قادمة من جدران غرف مجاورة، وضحكات غنج مكتومة على استحياء من جدران غرف نوم الكبار، وتلاوات قرآنية من جدران المطابخ، وأصوات صياح وشجار من حوائط السلالم”
حسين مهران, باب الدنيا
“كان الجميع ينصتون إلى هذه القصة التي سمعوها كثيرًا من قبل بلا كثير اهتمام، لا يعرف أحد من الحاضرين من يكون عبد القادر والزهيري والخواجة سمعان الذين يستشهد بهم الشيخ مطلوب، ولكنهم يعرفون منزل الخواجة ديميتري والحديقة التي كانت محيطة به، تُرك المنزل مهجورًا لسنوات طويلة بعد موت الخواجة لاعتقاد سكان الشارع بأنه مسكون بالعفاريت وأن أصوات صرخات تصدر من داخله بين حين وآخر، حتى اشتراه مقاول من الجنوب ثم هدمه وأقام مكانه بناية من ست طوابق سكنها أغراب من خارج الشارع، ثم توارت أسطورة العفاريت هذه بالتدريج ولم يعد أحد يتذكرها”
حسين مهران, باب الدنيا
“حتى في ذلك الصباح الذي شاهده فيه يدخن السجائر في مراهقته المبكرة، رآه يومها بالصدفة من نافذة قطار المترو وهو يتسكع مع رفاقه على ناصية شارع صغير مجاور للمنزل، كانوا يشعلون السجائر ويسعلون بشدة كحال المبتدئين، تصارعت في وجدانه ساعتها مشاعر متضاربة، فبين شعور الغضب لإتيان الولد هذا الفعل غير الملتزم، وبين القلق عليه من تلك الصحبة التي ربما تجره لفساد أشد، وبين ذلك الشعور الغريب المفاجئ بالفخر، ذلك الشعور الذي لم يجد له تفسيرًا ولم يتوقعه من نفسه، فاجأته نفسه يومها بإجباره على الابتسام والهمس بارتياح "الواد ابن الكلب كبر"! كاد يتوجه للجالسين بجواره ويقول لهم أترون ذلك الفتى اليافع الذي يدخن السجائر عند تلك الناصية؟ إنه ولدي”
حسين مهران, كومبارس متكلم
“ظلت تسحب جذورها من الأرض، ظلت تغادر أرضها بالتدريج وهي لم تزل واقفة في مكانها، ظلت تسلخ عنها تلك الرمال التي لم تعد وطنها ولم تعد فيها رائحة رفات أسلافها بعد أن دنستها تلك البقايا الرمادية اللعينة، وبعد أن عبثت بها أيدي البشر ووحوشهم ميتة القلوب، ظلت تسعى جاهدة نحو الموت، ربما تجد عنده حياتها المفقودة”
حسين مهران, سنوات الثقب الأسود
“كنا عاشقين، يمكنك أن تصدق ذلك أو ألا تصدقه، لكنني أقول لك أن تلك الأمور فوق مستوى إدراكك، كنا هنا، في هذه البلدة، منذ ألف عام ربما تزيد قليلًا أو تقل، لم يكن لحساب السنوات أهمية كبيرة في ذلك الزمان، لم يكن سوى النهر والحقول والجبال، وأنت وأنا، تحت شجرة كبيرة على ضفة النهر كنا نجلس، نغني، نتبادل القبل، ونمارس الحب”
حسين مهران, باب الدنيا
“أما هذه الفاكهة المرصوصة بعناية مبالغ فيها فلا روح لها، ليست بكائنات حية، كيف جرؤ هذا العامل على رص ثمار البرتقال هكذا ببساطة بجوار البطيخ؟ أي ازدراء لقوانين الطبيعة ولسنن الكون هذا؟! البرتقال رمز الشتاء الذي لا يؤكل إلا في الليالي المظلمة الباردة تحت طبقات من الأغطية الثقيلة كيف يجتمع بالبطيخ فاكهة الصيف المرحة التي تُلتهم في الشرفة أثناء البحث عن نسمة رطبة في ساعات العصاري الصيفية؟”
حسين مهران, كومبارس متكلم
“لكن بعد أن ذهبت رفيقة العمر إلـى حيث لا مناسبات مهمة ولا احتفالات، وبعد أن تسرب الأبناء واحدًا تلو الآخر مقلّصين يومًا بعد يوم مساحة اكتراثهم بالمناسبات العائلية وبأطقم أمهم وميراثها وبرائحة صابونها الأثير العالقة فـي زوايا الحجرات، ثم بعد غيابهم تمامًا وراء المحيطات فـي البلاد الباردة البعيدة بُعد زمان شركة بيع المصنوعات وفندق البوريفاج، وجدتُ الطقم وحيدًا حزينًا فـي خزانته العتيقة المصنوعة من خشب الزان الطبيعي المزخرف بصنعة حرفـي ماهر من دمياط، لم يعد للطقم من يرعاه ويزيل عنه الغبار فـي الجمعة الأخيرة من كل شهر ثم يعيد رصه داخل الخزانة بعناية صائغ خبير، لم أجد لحظتها ما يمنع من تحرير ذلك الطقم الحبيس، ليخرج إلـى النور وليستقبل القهوة الساخنة والماء والصابون ككل أطقم القهوة التي أنتجتها مصانع الجمهورية العربية المتحدة، ليجرب حظه فـي هذا العالم فينكسر منه جزء أو يضيع آخر، أليست تلك سنة الحياة؟ ألم يغادر الجميع فـي نهاية المطاف؟ لماذا عليه هو وحده البقاء ساكنًا حبيسًا؟”
حسين مهران, مقهى الغائبين
“أتعرفين؟ اليوم هو التاسع عشر من أغسطس أليس كذلك؟ أتعرفين أنه في مثل هذا اليوم منذ ثمانية عشر عامًا بدأت العمل في هذه العيادة بعد عودتي من الخارج؟ في هذه الغرفة ذاتها، أتعلمين كم هو تعيس أن يقضي المرء ثمانية عشر عامًا في غرفة واحدة؟ يفعل فيها نفس الشيء كل يوم مرارًا وتكرارًا؟ هذا هو ما ظل عالقًا في ذهني منذ الصباح، منذ أن رأيت تاريخ اليوم على شاشة الهاتف”
حسين مهران, باب الدنيا
“- ربما لم تسألهم الأسئلة الصحيحة!
- وهل توجد أسئلة خاطئة؟!
- فهمتك الآن، لديك شكوك! أليس كذلك؟
- أليس لديكِ أنتِ أي شكوك؟
- لا، ليس لدي أي شك علـى الإطلاق
- هممم، هذا يعني أن لديكِ الكثير من الشكوك لكنك خائفة من الاعتراف بذلك خشيةً من أن تكتشفي صحتها
- كيف تتهمني بهذه التهمة؟
- وهل الشك تهمة؟
- لا أعرف، لكنني أعرف أنني بلا شكوك
- لا يوجد شخص طبيعي بلا شكوك، الآلات فقط هي التي لا تشك، لأنها بلا عقل
- هل أنت ....؟
- لا يا سيدتـي، ليس ذلك مرادف الشك وإنما نقيضه، الشك هو مضاد الجمود، مضاد التسليم بما يتم تعبئته فـي عقولنا دون تفكير أو مناقشة”
حسين مهران, مقهى الغائبين
“أجرجر قدميّ علـى أسفلت الطريق البارد المبتل مجاهدًا فـي الاختباء عن العيون الفضولية والساخرة والمشفقة، أقطع مسافات طويلة حافـي القدمين، أجد صعوبة فـي الركض لسبب لا أدركه، لكنني أواصل الركض بصعوبة ناقلًا ساقـيّ بجهد ملحوظ، حافيًا، صاعدًا منحدرات عالية، خائفًا، ثم أسقط من ارتفاع شاهق، فقط أسقط فـي الهواء لكنني لا أرتطم بشيء، تطاردنـي موجة عالية من وحل ثقيل، أجاهد لأرفع جسدي فوق الأوحال لكنها تعلو وتعلو حتى تكاد تغطي رأسي، أختنق، ثم أواصل الركض، ثم أضحك، أقهقه بصوتٍ عالٍ علـى ما يحدث أمامي من مشاهد كوميدية، ثم أواصل الركض، وأواصل السقوط، ثم لا أرتطم بشيء، ثم أضحك، ثم أجرجر قدميّ الحافيتين علـى الأسفلت المبتل، ثم أركض بصعوبة، ثم لا يأتـي أي صوت معدني رتيب لإيقاظي، أرتبك قليلًا وأحاول استجماع شتات أفكاري، ألن يأتـي أحد لانتشالـي من هذا الحلم؟”
حسين مهران, مقهى الغائبين
“أليست النتيجة هي ذاتها بشكل أو بآخر كما هو حال ذلك الشخص الآخر الواقف أمامه والذي يبدو مثله كهلًا حزينًا؟ أليست هي ذات الدوامة وهو نفس الثقب الأسود؟ هل كان له حق الاختيار من الأساس أم أنه قدر لا مفر منه؟ هل كان سيغير اختياره إن أتيح له ذلك؟ وهل كان القدر ليتغير بالتبعية؟ ما الهدف إذا؟ ما الغاية من كل ذلك؟ أليست هي من الأصل لعبة روليت كبيرة؟ هذه الحياة ظالمة بالتأكيد، عرف ذلك منذ زمن وأراد أن يعتاد عليه كما يطالبه بيل جيتس في عبارته الشهيرة، لكنه لم يستطع، ربما لأنه ليس بيل جيتس، وربما لأنه لا يريد الاعتياد على حياة ظالمة”
حسين مهران, سنوات الثقب الأسود
“كنّ يسهرن الليالي يحدقن في الفراشات وقد وقع ضوء مصابيح الشارع على الحائط فأضاءهن، تتخيل كل منهنّ فراشتها تطير ناحية الضوء، تحلق في فضاء الشارع الواسع الممتد حتى البنايات التي على الجهة الأخرى، أو تصعد ناحية السماء حيث الفراغ متسع حتى النجوم، حتى القمر، مثلما كانت الفراشات تحلقن أمام القمر على جدار الغرفة كانت فراشاتهن المتخيلة تداعب القمر المضيء في قبة السماء البعيدة، منذ الليلة الأولى لانتهاء أبيهنّ من رسم الجدار اختارت كل منهنّ إحدى الفراشات لتحمل اسمها، فكانت الكبيرة هي آية وكانت الأصغر منها هي أسماء وكانت أصغرهن رحاب، أما هي، الثالثة من بين الأخوات الأربع، فكانت أمل”
حسين مهران, باب الدنيا
“تختلط ألوان ملابسهم العسكرية بباقي ألوان المارة والمسافرين، وكلما ابتعدوا من المشهد تصغر صورتهم، وتذوب في تفاصيل الصورة الكبرى التي تغلفها في غموضٍ شبورة الصباح التي تجمعت فوق الحقول الممتدة على جانبي شريط السكة الحديدية حتى حدود الأفق، يذوبون داخل تلك الصورة حتى لا يعود بإمكانك تمييز ستراتهم الكاكية وبياداتهم العسكرية من عربات الفول وطشوت بائعات الجبن الفلاحي، من أجراس المزلقان، من عوادم الحافلات العامة، من روائح الخضرة الطازجة في الحقول، من صياح تلاميذ المدارس في طوابير الصباح، يذوبون جميعهم - أخيرًا - في ضجيج الوطن”
حسين مهران, باب الدنيا

« previous 1
All Quotes | Add A Quote
باب الدنيا باب الدنيا
25 ratings