حوارٌ أبيض وأسود : تعليق سريع على حوارات البرامج الثقافية





[image error]

دشنت قناة الجزيرة عبر برنامجيّها الشهيرين “الاتجاه المعاكس” و”الرأي والرأي الآخر” نموذجاً حوارياً، تنامى استخدامه في أغلب برامج الحوارات الثقافية والفكرية المتلفزة. يتمثل النموذج بجلوس طرفي نقيض قضية ما، على طاولة واحدة، ليتناقشوا حول رأيهم بالقضية. فهل هذه الطريقة مجدية؟ وهل يُسهم حوار على هذا النمط في صنع وإعادة تشكيل وتوسيع مدى لأفكارنا؟ أم أن الحوار سينتهي بكلا الطرفين وكما لو أن كُلً منهما يضرب رأسه بالجدار، بصراخ مؤلم يصل إزعاجه إلى المشاهدين.

ومع هذا ومهما تباينت البرامج الحوارية وفي كافة القنوات إلا أنها وعلى الأغلب تنحو نحو ذات الطريقة؛ فمثلاً، تأتي بشخص ليبرالي
يقابله اسلامي، أو مؤيد للحكومه مقابل معارض للحكومة، وهكذا. النقاش وفق تلك البنيّة يصبح على شاكلة طرفين، أحدهما أبيض وآخر أسود، لا تعدد أو تقارب في الألوان يسمح بتمازج ما، أي تمازج للافكار. تنافرهما الصارخ يجعل كلاُ منهما في موقف دفاعي/هجومي ليُثت أنه “الصح” ومقابله هو “الخطأ”. النقاش والأفكار في تلك الحالة ليست مطروحة للإستماع والتأمل، بل للرد السريع والمتوثب لكسب نقاط تُسجل ضد الخصم.

وفق هذا المنطق، تصبح “الفكرة” هي محل الإدانة، إدانه بين التجريم والتقديس. تناول لا يحاول قراءة موضوع القضية المطروحة بأبعادها المختلفة، بل وفق منطق أحلال هي أم حرام؟! فهل إدراة الحوار بهذه الصورة، هي نتيجة لذهنية شكّلتها العقلية الدينية الفقهية التقليدية؟ التفكير الديني الفقهي لا يسعى في بحثه المعرفي إلا إلى الوصول إن كان الأمر حلالاً أم حراماً، أي إلى نتيجة مغلقة لا إلى فضاء آخر من التشكك والتساؤل. ‏فهل أثرت العقلية الدينية في النظر إلى الأمور بمسطرة الحلال و الحرام؟ لذا، في نقاشاتنا الفكرية ننطلق في محاولات لتبيّان جواز الأمر من عدمه، الامر الذي يؤدي لغياب التحليل المنطقي الساعي لقراءة الظاهرة في أبعادها المتعددة. وكأننا بذلك ننحو في نقاشاتنا للقفز إلى النتيجة، أي تقرير “مصير” القضية المطروحة.

هذا الأمر يُفسر بغياب المنهجية التحليلية في التفكير وفي ألية البحث عن المعرفة. قد يعترض أحدهم هنا، بأن تفسير الظاهرة قد يعود إلى أن تلك البرامج تلفزيونية تسعى للاثارة والشهرة، لذا تلجأ لهذا الأسلوب، ولكن لما يتكرر ذات النمط بإختلاف البرامج والقناة والمعدين والضيوف؟ ألا يكون للإمر علاقة بتشابة البنيّة الذهنية في التحليل لدى المُنتمين لهذه الثقافة؟
لعل مثال حديث يسهُل استذكاره يوضح الصورة، في برنامج قُدم مؤخراً يُنقاش مفهوم النسوية، وكما هو العُرف المعتاد أُحضر ضيفين أحدهما ضد النسوية والآخر معها، ليتحول النقاش إلى: هل النسوية طهورية أم علينا شيطنتها؟ الحوار بهذا السيناريو يصبح على خط واحد دون أبعاد متنوعه ومتداخله تُكسبه عمقا. فلماذا كان الحوار بهذا الشكل؟ ليس ضعف الضيفين سبباً كافياً لذلك، ‏قد يكون عاملاً مساهماً، ولكن لعل السبب يكمن في بنيّة الحوار التي تقوم على سؤال واحد يتكرر بأشكال عدة :أنت مع أو ضد. هذه البنية تجعل كُل طرف يحاول أن يُثبت لماذا هو مع أو لماذا هو ضد، كلاً يدافع عن موقعه من القضية، لا شرح ولا تحليل للقضية ذاتها. لينتهي برنامج حواري مدته ساعة كاملة دون الوصول لفهم جديد لظاهرة، فقط موقف الضيفين من الظاهرة.  

بالمقابل، إن كنا نسعى لصنع حوار ثقافي بناء حول النسويّةً، موقف الضيف من القضية يجب أن لا يُعد سبباً أساسياً لحضوره في البرنامج بقدر الخلفية الفكرية التي تُمكنه من التحاور حول القضية عبر إمداد المشاهد بأبعاد متنوعة توسع دائرة الرؤية والفهم. فمثلاً، في برنامج يُقدم حلقة لنقاش حول النسويّة، بداية علينا أن نُعرّف النسويّة. إن تبنيّنا التعريف الذي يرى النسويّة بإعتبارها خطاب فكري يُعيد تصوراتنا حول الذات والجسد والآخر بما يسهم بإعادة تشكيل مفهوم الذات والعلاقة مع الآخر وبما ينعكس على تغيير العلاقات داخل المجتمع وتغيير المجتمع ذاته. وفق هذا التعريف يُصبح من الملائم إحضار ضيف متخصص في تحليل بنيّة الافكار والمفاهيم، وكيف تتشكل، وكيف تُسهم إعادة تشكل الأفكار بتغير المجتمع وتغير الفرد. متخصص في الفلسفة أو أستاذ في علم الاجتماع المعرفي أو علم النفس الاجتماعي قد يدفع بالنقاش ليتمحور حول قضية كيف تؤثر الأفكار وصراعاتها على المجتمع. في حين يكون الضيف المقابل قانوني يُناقش الجانب القانوني الذي يستند عليه الطرح النسويّ وتمثيلاته على أرض الواقع، أو ممن يعملون في حقل الرعاية الاسرية والاجتماعية وكيف يرون الواقع النسويّ، وهل يحتاج المجتمع للخطاب النسويّ وعلى أي صورة يحتاجه. ليس على الضيفين أن يكونا شديدا الإختلاف على نحو بائن، فهذا لن يسمح بتلاقح للأفكار، بقدر تصادمها.

نقاش كهذا لا يدفع الضيف ليُحدد موقعه الجغرافي من القضية، كما لا يجعل المستمع في موقف يسجل فيها من كسب نقاط أكبر في معركة تجاذب طرفي الخيط تلك. مما يعني أن المستمع سيخرج بشحنة عاطفية قوية دون توسع لمدارات الأفكار لديه. في المقابل، نقاش الفكرة ذاتها لا الموقف من الفكرة، ستجعل المتفرج يخرج بتصورات فكرية وكذلك تفاصيل واقعية عن القضية المطروحة، أما مدى تغيير موقف المشاهد من القضية ذاتها، قبولاً أو رفضاً، فليست محل أولوية هنا. فإن كانت تلك البرامج تًصنف نفسها كبرامج حوارية ثقافية عليها إذن التركيز على صنع بيئة ملائمة لطرح منهجية للتحليل لا القفز إلى نتائج محسومه مسبقاُ لدى الضيف وأحياناً لدى المذيع وصاحب القناة وكذلك المشاهد!!
 
13-9-2019
 •  0 comments  •  flag
Share on Twitter
Published on September 13, 2019 05:26
No comments have been added yet.