شرح: شركاء الطبيعة الإلهية (2بط1: 4)، عن كتاب: ورثة مسيحك، قراءة في مفهوم التألُّه وفقًا لآباء الكنيسة
لا يحقّ لنا الآن، بعد تجسد الابن، أن نتساءل: أين الله؟! إنّه أنت، يقبع الله بداخلك، ويعمل بك ومن خلالك، أنت مخلوق مدعو أن تصير مسيحًا، أن يتجسَّد الله كلّ يوم في العالم من خلالك، تذكر دائمًا هذه الدعوة واحيا وفقًا لما يليق بها.
هذه هي المواعيد العظمى التي تحدث عنها القديس بطرس في رسالته، قائلًا:”قَدْ وَهَبَ لَنَا الْمَوَاعِيدَ الْعُظْمَى وَالثَّمِينَةَ، لِكَيْ تَصِيرُوا بِهَا شُرَكَاءَ الطَّبِيعَةِ الإلهيّةِ“ (2بط1: 4).
اعتقد أنّ الرسول بطرس كتب هذه الكلمات بهيبة كبيرة، تلك الكلمات التي نتشاجر لأجلها اليوم، أو نقرأها قراءات قزمة كما يُتفق، يدعوها الرسول بالمواعيد الثمينة العظيمة، فالتألُّه الذي هو ثمرة تجسُّد ابن الله يضع علينا مسؤوليّة كبيرة وعظيمة وجليلة، أن نصير وكلاء الله، مُسحاءه، المعبِّرين عنه وسط العالم..ولشرح المعنى القابع خلف هذا النص يجب أن نقرأه في سياقه ببساطة، فما معنى شركة الطبيعة الإلهيّة التي يتحدث عنها الرسول هُنا؟ قد شرحها الرسول ذاته في النص السابق على هذا مباشرة، الذي يقول فيه:”كما أنّ قدرته الإلهيّة قد وَهبَت لنا كلّ ما هو للحياة والتقوى“.
هذا هو جوهر شركة الطبيعة الإلهيّة، أن يوهب لنا كلّ ما يعطينا حياة، ويساعدنا على أن نكون أتقياء، أي الارتباط الحقيقيّ بحياة الله التي في المسيح، مثالنا الكامل والأسمى.
وبالعودة إلى الخلفيّة اليهوديّة في كتابات ما بين العهدين التي دوِّنت في السبعينيّة، وهي كتاب العهد القديم اليونانيّ الذي استخدمه الرسل وآباء الكنيسة، جاء في مكابيين الرابع 18: 3: ”إنّ الشهداء يستحقون مشاركة اللاهوت- θείας μερίδος κατηξιώθησαν“، كما جاء نصٌّ مشابه في سفر الحكمة 2: 23: ”خلق الله الإنسان على غير فساد، على صورته خالدًا- τῆς ἰδίας ἀϊδιότητος“.
وقد استخدم هذه التعبيرات فيلو الفيلسوف اليهوديّ الذي عاش في القرن الأوّل، أي وقت تدوين العهد الجديد، ولكن مفهوم المشاركة في الطبيعة الإلهيّة عنده يختلف قليلًا عن المفهوم المسيحيّ، إذ كان أفلاطونيًّا بامتياز، فقد قال إنّ مشاركة الطبيعة الإلهيّة تعني أن ننسلخ عن عالم المادة، وعن عالم المائتين الفاسد، ونتجه نحو العالم السماويّ الخالد.[2]
على أساس هذه الخلفيّة اليهوديّة، يُمكننا القول إنّ مقصد الرسول بطرس الأساسيّ من كلمة مشاركو الطبيعة الإلهيّة θείας κοινωνοί φύσεως ، أن نصير مثل الله، خالدين وعلى غير فساد، وهذا بكلّ تأكيد لن يتحقّق بشكله الكامل سوى في المجيء الثاني للمسيح، أي في آخر الدهور. لكن يجب أن نحيا على هذا الرجاء، وعلى هذا المثال، هُنا أولًا، وننمو فيه أيضًا، فلا رجاء للاتحاد مع الله في الحياة الجديدة سوى بنوالنا الشركة معه هُنا والآن.
Published on December 11, 2019 08:20
No comments have been added yet.

